هبة زووم – الدار البيضاء
فجر رئيس مقاطعة الحي المحمدي معطى بالغ الخطورة حين كشف، بكل أسف، عن سحب وسائل الاشتغال الخاصة بمراقبي حفظ الصحة من طرف جماعة الدار البيضاء، في تصريح يثير أكثر من علامة استفهام حول مستقبل المراقبة الصحية بإحدى أكثر المقاطعات كثافة سكانية بالعاصمة الاقتصادية.
فإذا كان ما صرح به رئيس المقاطعة صحيحًا، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد إشكال إداري عابر، بل بقرار قد تكون له تداعيات مباشرة على الصحة العامة، خاصة في ذروة فصل الصيف، حيث يرتفع استهلاك الوجبات السريعة، وتزداد مخاطر التسممات الغذائية وانتشار الحشرات والقوارض داخل المحلات والمطاعم والمقاهي والأسواق.
الأخطر في هذا الملف أن حديث الرخيص عن “سحب” وسائل الاشتغال يحمل دلالة واضحة، مفادها أن هذه الوسائل كانت متوفرة بالفعل، قبل أن يصدر قرار بحرمان مراقبي حفظ الصحة منها، وهو ما يفرض طرح أسئلة جوهرية: من اتخذ هذا القرار؟ وما مبرراته؟ وهل أُنجز تقييم لتداعياته على صحة المواطنين؟
فالحديث هنا لا يتعلق بأدوات ثانوية، بل بوسائل أساسية لا يمكن لمراقبي حفظ الصحة أداء مهامهم القانونية بدونها، من سيارات للتنقل، وملابس وتجهيزات وقائية، وقفازات وأقنعة ونظارات للحماية، وأجهزة قياس درجات الحرارة وجودة المواد الغذائية، وأدوات أخذ العينات وتحليلها، وهي معدات تشكل العمود الفقري لأي عملية مراقبة صحية ميدانية.
وفي الوقت الذي وعد فيه رئيس المقاطعة بإحداث لجنة للصحة وفتح قنوات التواصل مع شركة “كازا بيئة”، التي انتقلت إليها اختصاصات الوقاية الصحية في إطار الشرطة الإدارية، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال الحقيقي: لماذا جُرد مراقبو حفظ الصحة من وسائل عملهم قبل توفير البديل؟
فمقاطعة الحي المحمدي، التي يقطنها ما يقارب مائة ألف نسمة، وتضم مئات المطاعم والمقاهي ومحلات الوجبات السريعة والأسواق، لا يمكن أن تظل دون مراقبة صحية فعالة، خصوصًا خلال فصل الصيف الذي ترتفع فيه درجات الحرارة وتزداد معه احتمالات فساد المواد الغذائية وانتشار الأمراض المنقولة عبر الغذاء.
وإذا كانت جماعة الدار البيضاء قد اتخذت بالفعل قرارًا بسحب وسائل العمل، فإنها مطالبة اليوم بتقديم توضيحات للرأي العام، لأن صحة المواطنين ليست مجالًا للتجريب أو الارتجال أو تبادل الاختصاصات، بل مسؤولية دستورية وقانونية لا تقبل التأجيل.
إن ما كشف عنه رئيس مقاطعة الحي المحمدي يستوجب فتح تحقيق إداري عاجل لتحديد الجهة التي اتخذت هذا القرار، والكشف عن أسبابه وخلفياته، وترتيب المسؤوليات إن ثبت أن هذا الإجراء أدى إلى إضعاف منظومة المراقبة الصحية وتعريض المواطنين لمخاطر كان بالإمكان تفاديها.
ففي مدينة بحجم الدار البيضاء، لا يجوز أن تتحول مراقبة السلامة الصحية إلى ضحية للصراعات الإدارية أو سوء التدبير، لأن الثمن في النهاية قد يدفعه المواطن من صحته وحياته، وهو ثمن لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه.
تعليقات الزوار