الدار البيضاء.. اتهامات بانحياز العامل النشطي لجودار تجعل تقارير رجال السلطة تصطدم بحسابات الانتخابات

هبة زووم – الدار البيضاء
مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي المغربي: أين تنتهي صلاحيات السلطة الترابية وأين يبدأ حق المرشحين في منافسة انتخابية متكافئة؟
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تظل الإدارة الترابية على مسافة واحدة من مختلف المتنافسين، بدأت تتداول في أوساط سياسية ومحلية بمدينة الدار البيضاء معطيات واتهامات تتحدث عن ميل عامل عمالة مقاطعات ابن مسيك، النشطي، لفائدة المرشح جودار، وهي معطيات، إن صحت وثبتت بوقائع ملموسة، فإنها لا يمكن أن تُعامل باعتبارها مجرد همس انتخابي عابر، بالنظر إلى حساسية موقع السلطة الترابية ودورها في تأمين شروط المنافسة.
والأكثر إثارة للانتباه، وفق ما يتم تداوله محلياً، هو الحديث عن صعوبات تواجه رجال السلطة في رفع تقاريرهم إلى رئيس قسم الشؤون الداخلية بشأن بعض الوقائع ذات الصلة بالأجواء الانتخابية، في ظل ما يُوصف بوجود توتر في العلاقة بين هذا الأخير والعامل.
وإذا كانت هذه المعطيات تحتاج، بطبيعة الحال، إلى التحقق والتوضيح من الجهات المعنية، فإن مجرد تداولها بهذه القوة يفرض طرح سؤال أساسي: هل تعمل مختلف مستويات السلطة الترابية بانسجام كامل في تدبير الملف الانتخابي، أم أن الحسابات السياسية بدأت تتسلل إلى عمل الإدارة؟
فالانتخابات لا تحتمل منطقة رمادية في علاقة السلطة بالمرشحين. رجل السلطة لا يدخل المعركة الانتخابية بصفته منافساً، ولا يملك ترف إظهار الميل لهذا الطرف أو ذاك، لأن مهمته الأساسية هي ضمان احترام القانون وتأمين شروط المنافسة وليس صناعة موازينها.
وتزداد حساسية الوضع عندما يتعلق الأمر بمقاطعة ابن مسيك، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية مع نفوذ سياسي ومحلي كبير. وأي انطباع لدى المرشحين أو الناخبين بأن طرفاً يحظى بمعاملة تفضيلية من الإدارة يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة ثقة في العملية برمتها.
ومن الوقائع التي يجري تداولها في هذا السياق ما وقع بحي إفريقيا، حيث يُقال إن مجموعة من “الفقهاء” دعوا، خلال مأدبة عشاء مرتبطة بمناسبة وفاة أحد الأشخاص، بالنجاح للمرشح جودار، وهو ما أثار غضب نجل المتوفى ودفعه إلى الاحتجاج على الحاضرين.
وبغض النظر عن تفاصيل الواقعة ومدى ارتباطها فعلاً بالمنافسة الانتخابية، فإن إدخال أسماء المرشحين والانتخابات إلى مناسبات اجتماعية من هذا النوع يطرح بدوره أسئلة حول الحدود الفاصلة بين النشاط الاجتماعي العادي وبين توظيف الأجواء الاجتماعية لخدمة أجندة انتخابية.
لكن السؤال الأكبر يبقى موجهاً إلى السلطة الترابية: هل يتم التعامل مع مثل هذه الوقائع وفق المساطر نفسها، وبالمعايير ذاتها، أياً كان المرشح المعني؟
فالحياد الإداري لا يعني فقط ألا تعلن السلطة دعمها لمرشح، وإنما يعني أيضاً ألا تترك سلوكياتها وانحيازاتها المفترضة مجالاً واسعاً للتأويل. وفي الانتخابات، الانطباع أحياناً لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأن ثقة المواطن في نزاهة العملية الانتخابية تُبنى على تفاصيل صغيرة بقدر ما تُبنى على النتائج الكبرى.
والحديث المتداول عن محاولة إعادة إنتاج سيناريو انتخابات 2021، أو عن دعم إداري مزعوم لفائدة جودار، لا ينبغي أن يبقى مجرد مادة للاستهلاك في الكواليس. فإذا كانت هناك وقائع، فالمطلوب توثيقها والتحقق منها؛ وإذا كانت مجرد إشاعات انتخابية، فالمطلوب أيضاً توضيح رسمي يضع حداً لها.
كما أن دور رئيس قسم الشؤون الداخلية ورجال السلطة في هذه المرحلة يستحق بدوره حماية مؤسساتية تضمن لهم القدرة على نقل التقارير والوقائع بكل استقلالية ومهنية، لأن تعطيل المعلومة أو تقييد وصولها إلى مستويات القرار لا يخدم الإدارة ولا الانتخابات.
لقد تجاوزت الانتخابات الحديثة منطق الصندوق وحده. فقبل يوم الاقتراع هناك حياد السلطة، تكافؤ الفرص، شفافية المعلومة، ومراقبة الممارسات الانتخابية، ولهذا فإن أي حديث عن انحياز إداري، أياً كان مصدره أو المستفيد منه، يستوجب التحقيق والتوضيح، لا الصمت والتجاهل.
فالسلطة الترابية مطالبة بأن تكون حكماً لا لاعباً، وضامناً للمنافسة لا طرفاً فيها. وإذا كان البعض يراهن على نفوذ الإدارة لإعادة إنتاج نتائج أو موازين سابقة، فإن الرسالة التي يجب أن تكون واضحة هي أن صندوق الاقتراع وحده ينبغي أن يقرر، لا المكتب الإداري ولا النفوذ الترابي ولا العلاقات السياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن الاختبار الحقيقي لحياد الإدارة ليس ما تقوله في البلاغات، وإنما ما يراه المرشحون والناخبون على الأرض. وحين يشعر أي طرف بأن هناك من يدخل السباق وهو محاط بحماية أو امتياز إداري، فإن المسألة لم تعد مجرد خلاف انتخابي، بل تصبح قضية تمس جوهر الثقة في العملية الديمقراطية نفسها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد