من الإنتاج إلى المديونية.. صرخة الفلاحين تهز أشغال الغرفة الفلاحية بجهة الدار البيضاء–سطات في دورتها الأخير بالجديدة
هبة زووم – أحمد الفيلالي
مرة أخرى، انتهت أشغال الدورة العادية للغرفة الفلاحية لجهة الدار البيضاء–سطات بالمصادقة على التوصيات نفسها التي اعتاد الفلاحون سماعها منذ سنوات، دون أن يلمسوا أي أثر عملي لها على أرض الواقع.
فالدورة، التي انعقدت بالجديدة يوم أمس الثلاثاء 14 يوليوز الجاري، والتي كان ينتظر منها أن تشكل محطة لإطلاق مبادرات جريئة لإنقاذ القطاع، تحولت إلى جلسة مطولة لتشخيص الأعطاب، بينما بقيت الحلول الحقيقية غائبة، وكأن الغرفة اكتفت بدور المراقب الذي يرصد الأزمات دون أن يمتلك الجرأة أو القدرة على اقتراح مخارج واقعية لها.
ولم يحمل تقرير الدورة أي جديد يبعث على الاطمئنان، إذ أعاد المسؤولون داخل الغرفة سرد المشكلات ذاتها التي أصبحت معروفة للجميع: ارتفاع تكاليف الإنتاج، انهيار أسعار البيع، تفاقم المديونية، ندرة المياه، ضعف التسويق، وتداعيات التغيرات المناخية.
وهي ملفات ليست وليدة اليوم، بل رافقت القطاع الفلاحي لسنوات طويلة، وكانت تستوجب من المؤسسة المنتخبة التي تمثل الفلاحين أن تنتقل من مرحلة الوصف إلى مرحلة الفعل.
فإذا كانت الغرفة تعترف بأن الفلاح يبيع منتوجه بأثمان لا تغطي حتى تكلفة إنتاجه، فما هي المبادرات التي أطلقتها لإيجاد قنوات تسويق بديلة؟ وإذا كانت تؤكد أن المديونية تخنق آلاف الفلاحين، فما هي المقترحات العملية التي قدمتها لإقناع المؤسسات البنكية بإقرار حلول استثنائية؟ وإذا كانت تعتبر أن أزمة الماء أصبحت تهدد مستقبل النشاط الفلاحي، فأين المشاريع المبتكرة التي دافعت عنها لترشيد الموارد المائية أو تعميم تقنيات السقي الذكي؟
الأكثر إثارة للانتباه أن مخرجات الدورة جاءت في معظمها على شكل توصيات ومطالب موجهة إلى وزارة الفلاحة وباقي القطاعات الحكومية، وكأن الغرفة الفلاحية لا ترى لنفسها أي دور سوى رفع المراسلات وانتظار الردود.
والحال أن القانون منح الغرف الفلاحية أدوارا تتجاوز مجرد نقل شكاوى الفلاحين، لتشمل بلورة الاقتراحات، والترافع الجاد، وبناء شراكات، وابتكار حلول ميدانية تستجيب لخصوصيات كل جهة.
وفي جهة الدار البيضاء–سطات، التي تعد من أهم الأقطاب الفلاحية بالمملكة، كان المنتظر من رئيس الغرفة أن يقدم رؤية واضحة لإنقاذ الفلاح، تتضمن برامج زمنية محددة، ومبادرات عملية، وشراكات مع الفاعلين الاقتصاديين، بدل الاكتفاء بتعداد الإكراهات التي يعيشها الجميع يوميا.
فالفلاح اليوم لا يحتاج إلى من يخبره بأنه غارق في الديون، لأنه يعيش ذلك كل صباح. ولا يحتاج إلى من يشرح له أن أسعار الأسمدة والمحروقات ارتفعت، لأنه يؤدي ثمنها من جيبه.
كما لا ينتظر من مؤسسته التمثيلية أن تؤكد له وجود أزمة مياه، بل ينتظر منها أن تقود معركة الدفاع عن حقوقه، وأن تفرض نفسها قوة اقتراح وضغط قادرة على انتزاع حلول ملموسة.
وتبقى المعضلة الأكبر أن دورات الغرفة أصبحت، في نظر عدد من المهنيين، تتشابه في مضامينها وبلاغاتها الختامية، حيث تتكرر المطالب نفسها سنة بعد أخرى، بينما تتفاقم أوضاع الفلاحين وتتراجع قدرتهم على الصمود، في غياب تقييم حقيقي لما تحقق من توصيات الدورات السابقة، أو مساءلة حول أسباب عدم تنفيذها.
إن المؤسسة التي تمثل آلاف الفلاحين مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في أسلوب اشتغالها، وأن تنتقل من منطق إصدار البيانات إلى منطق صناعة المبادرات، لأن الأزمة الحالية لم تعد تحتمل المزيد من الاجتماعات التي تنتهي برفع مذكرات إلى الوزارات، دون أن يشعر الفلاح بأي تغيير في واقعه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت الغرفة الفلاحية، بكل إمكانياتها وشرعيتها التمثيلية، لا تملك سوى تشخيص الأزمة وتعداد الاختلالات، فمن سيقدم الحلول؟ ومن سيدافع فعليا عن فلاحي جهة الدار البيضاء–سطات الذين يواجهون اليوم واحدة من أصعب المراحل في تاريخ القطاع؟
فالفلاح لم يعد في حاجة إلى توصيات جديدة تضاف إلى أرشيف المؤسسات، بل إلى إرادة قوية، ورؤية واضحة، وترافع مسؤول يترجم الأقوال إلى أفعال، لأن استمرار الاكتفاء بوصف الأزمة لن يؤدي إلا إلى تعميقها، وسيحول الغرف الفلاحية من مؤسسات للدفاع عن المهنيين إلى مجرد فضاءات لتوثيق معاناتهم.