دور الطالب ببني ملال تختنق مالياً وتأخر منح “التعاون الوطني” يهدد بإجهاض الدخول المدرسي

هبة زووم – بني ملال
تعيش مؤسسات دور الطالب والطالبة بإقليم بني ملال واحدة من أخطر الأزمات المالية في تاريخها، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن أداء أبسط التزاماتها بسبب التأخر غير المبرر في صرف الشطر الثاني من منحة سنة 2025 من طرف إدارة التعاون الوطني، في مشهد يكشف حجم الاختلالات التي تطبع تدبير هذا القطاع الاجتماعي الحيوي، ويضع مستقبل مئات التلاميذ المنحدرين من العالم القروي على كف عفريت.
هذه المؤسسات، التي شكلت لعقود صمام أمان لمحاربة الهدر المدرسي وضمان حق أبناء الأسر الفقيرة في متابعة دراستهم، أصبحت اليوم مهددة بالشلل الكامل، ليس بسبب سوء التسيير أو غياب الإمكانيات المحلية، وإنما بسبب بطء إداري قاتل، وغياب أي إحساس بخطورة المرحلة داخل إدارة يفترض أنها وجدت أصلاً لخدمة الفئات الهشة، لا لتعقيد أوضاعها.
فالمكاتب المسيرة، التي تلتزم سنوياً بتقديم التقارير المالية وتبرير أوجه صرف المنح في الآجال القانونية، وجدت نفسها أمام خزائن فارغة، غير قادرة على أداء أجور المستخدمين، ولا على تسوية مستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا حتى على أداء ديون الممونين الذين أصبحوا يهددون بوقف تزويد هذه المؤسسات بالمواد الغذائية، وهو ما ينذر بكارثة حقيقية مع اقتراب الدخول المدرسي.
والأكثر إثارة للاستغراب أن إدارة التعاون الوطني ما زالت تعتمد أسلوب تقسيم المنحة إلى شطرين، رغم أن قيمتها أصلاً توصف بالهزيلة ولا تكفي لتغطية الحد الأدنى من النفقات الأساسية، لتتحول هذه الآلية إلى عبء إضافي يضاعف معاناة الجمعيات المسيرة بدل أن يساعدها على أداء رسالتها الاجتماعية.
إن ما يحدث اليوم يطرح أسئلة محرجة حول فلسفة تدبير هذا الورش الاجتماعي، فكيف يعقل أن تُطالب الجمعيات بالالتزام الصارم بالمساطر والمواعيد القانونية، بينما لا تلتزم الإدارة نفسها بصرف الاعتمادات المالية في وقتها؟ وكيف يمكن الحديث عن دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، في الوقت الذي تُترك فيه مؤسسات الإيواء تواجه الإفلاس بصمت؟
الأزمة الحالية لم تعد مجرد تأخر في تحويل اعتمادات مالية، بل أصبحت تهدد استقرار مئات التلاميذ الذين لا يملكون بديلاً عن هذه المؤسسات، كما تهدد مصدر رزق عشرات المستخدمين الذين ينتظرون أجورهم منذ أشهر، فضلاً عن ضرب الثقة في العمل الجمعوي الذي ظل شريكاً أساسياً للدولة في تدبير هذا القطاع.
إن استمرار هذا الوضع يكشف خللاً عميقاً في تدبير ملفات التعاون الوطني، ويستوجب تدخلاً عاجلاً من المديرة الجهوية للتعاون الوطني بجهة بني ملال-خنيفرة، ومن والي الجهة والسلطات المركزية، للإفراج الفوري عن المنح المستحقة، وإنقاذ مؤسسات أصبحت تقف على حافة الانهيار.
كما أن هذه الأزمة تستدعي فتح نقاش وطني حول طريقة تمويل دور الطالب والطالبة، ومدى ملاءمة المنظومة الحالية التي أثبتت محدوديتها، بل وعجزها عن ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي لمؤسسات تؤدي خدمة عمومية ذات بعد اجتماعي وتربوي.
فإذا كانت الدولة تعتبر محاربة الهدر المدرسي أولوية وطنية، فإن أول امتحان لصدق هذا الالتزام يبدأ من حماية مؤسسات الإيواء من الاختناق المالي، لأن استمرار هذا العبث لن يؤدي إلا إلى إغلاق أبوابها في وجه أبناء الفقراء، وتحويل شعارات تكافؤ الفرص إلى مجرد خطابات لا تجد طريقها إلى الواقع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد