هبة زووم – الرباط
لم يترك نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، مساحة كبيرة للمجاملة وهو يتحدث عن واحدة من أخطر الظواهر التي تلاحق الاستحقاقات الانتخابية: شراء الأصوات وتحويل العملية الديمقراطية إلى سوق مفتوحة لمن يدفع أكثر.
فخلال مهرجان خطابي نظم، أمس الخميس، بجماعة آيت عميرة بإقليم اشتوكة آيت باها، وجه بنعبد الله انتقادات مباشرة إلى المترشحين الذين يلجؤون إلى ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية لاستمالة الناخبين، معتبراً أن هذه السلوكيات لا تسيء فقط إلى نزاهة الانتخابات، وإنما تضرب في العمق مستقبل المواطنين والبلاد.
والرسالة التي حملها خطاب الأمين العام للتقدم والاشتراكية تتجاوز مجرد التنديد بظاهرة شراء الأصوات، لأنها تضع اليد على السلسلة الكاملة التي تبدأ بالمال الانتخابي وتنتهي، بحسب منطقه، بمسؤول منتخب يبحث عن مصلحته بدل المصلحة العامة.
فماذا يمكن أن ينتظر المواطن من شخص اشترى صوته للوصول إلى مؤسسة منتخبة؟ السؤال يبدو بسيطاً، لكن تداعياته السياسية ثقيلة.
بنعبد الله يرى أن شراء الأصوات لا يمكن أن يكون طريقاً لإنتاج مسؤولين يضعون مصالح المواطنين فوق كل اعتبار، بل قد يفتح الباب أمام وصول أشخاص تكون أولويتهم، بعد الفوز، هي استرجاع ما أنفقوه وتحويل الموقع الانتخابي إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة وتراكم الثروة.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة بين أسماء وأحزاب؛ إنها معركة حول نوعية النخب التي ستتولى تدبير الشأن العام.
فالناخب الذي يبيع صوته مقابل مبلغ أو منفعة مؤقتة قد يجد نفسه، بعد انتهاء يوم الاقتراع، أمام خمس سنوات كاملة من القرارات والسياسات التي لا يستطيع تغييرها بالمال الذي حصل عليه في ليلة انتخابية واحدة.
ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة بنعبد الله إلى القطع مع شراء الأصوات بمثابة محاولة لإعادة تعريف المسؤولية الانتخابية: الصندوق ليس مكاناً للبيع والشراء، والناخب ليس سلعة، والمقعد الانتخابي ليس استثماراً تجارياً، لكن خطاب بنعبد الله يطرح مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي مسؤولية الأحزاب والمرشحين أنفسهم.
فلا يمكن مطالبة المواطن وحده بالنزاهة إذا كانت بعض الحملات الانتخابية، وفق ما يتم تداوله والانتقادات التي تثار في هذا السياق، تقوم على منطق الإنفاق المفرط واستمالة الناخبين بالمنافع والوعود. الديمقراطية تحتاج إلى قواعد واضحة، ومراقبة فعالة، وأحزاب تتحمل مسؤوليتها في اختيار المرشحين وفي ضمان احترام قواعد المنافسة.
الأمين العام للتقدم والاشتراكية ذهب أبعد من ذلك عندما دعا الناخبين إلى محاسبة المسؤولين الذين فشلوا في تدبير ولاياتهم السابقة، ومن وصفهم بالفاسدين، ممن لم يستطيعوا خلال السنوات الخمس الماضية تحقيق تطلعات السكان.
وهنا تحديداً تتحول الانتخابات إلى موعد للحساب السياسي، فالمطلوب ليس فقط أن يسأل المواطن: “من سيدفع أكثر؟”، وإنما أن يسأل: ماذا فعل المنتخب خلال الولاية الماضية؟ أين هي المشاريع؟ ماذا تحقق من الوعود؟ ماذا تغير في حياة السكان؟ وهل كان المسؤول حاضراً عندما احتاجه المواطن، أم لا يظهر إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع؟ إنها أسئلة يفترض أن تكون في قلب أي عملية انتخابية نزيهة.
وفي المقابل، فإن مواجهة المال الانتخابي لا يمكن أن تنجح بالشعارات وحدها. المطلوب هو رقابة فعلية على مصادر تمويل الحملات، وتطبيق القانون على المخالفين، وتشجيع المواطنين على التبليغ عن الممارسات غير القانونية، حتى لا تتحول المنافسة الديمقراطية إلى سباق بين أصحاب الجيوب الأثقل.
لذلك، فإن دعوة بنعبد الله إلى المشاركة الواسعة والواعية تحمل في طياتها رسالة سياسية واضحة: العزوف لا يعاقب الفاشل، وإنما يترك له المجال ليستمر.
فالانتخابات لا تصبح أداة للتغيير إلا عندما يقرر المواطن أن يصوت على أساس الحصيلة والكفاءة والنزاهة، لا على أساس المال والهدايا والوعود الظرفية.
وفي النهاية، قد يشتري المرشح صوتاً ليوم واحد، لكنه لا يستطيع شراء احترام الناس لخمس سنوات، وهنا بالضبط تبدأ المعركة الحقيقية: هل سيكون يوم الاقتراع يوماً لبيع الأصوات، أم يوماً لمحاسبة من فشلوا في تمثيل المواطنين؟
تعليقات الزوار