هبة زووم – الرباط
قدم الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي عبد الحفيظ اليونسي قراءة سياسية نقدية لمسار الدولة المغربية منذ الاستقلال، معتبراً أن ما وصفه بـ”داء التردد القديم” ظل السمة البارزة في علاقة السلطة بالمجال السياسي، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، على مستوى التنمية وجودة المؤسسات والثقة في الدولة.
وأوضح اليونسي، في تدوينة مطولة، أن الدولة لم تلجأ إلى توسيع هامش العمل السياسي وفتح المجال العام إلا خلال اللحظات المفصلية والأزمات الكبرى التي هددت استقرار النظام، مستحضراً في هذا السياق تجربة حكومة التناوب التوافقي أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ثم تجربة حكومة عبد الإله بنكيران في سياق الربيع العربي، قبل أن يعتبر أن هذه الانفتاحات سرعان ما تم الالتفاف عليها، مستشهداً بحكومة إدريس جطو سنة 2002، ثم مرحلة “البلوكاج” الحكومي سنة 2016.
ويرى الباحث أن هذا المسار تحكمه، وفق تحليله، قناعة راسخة لدى دوائر صناعة القرار تقوم على الخوف من نتائج صناديق الاقتراع، وعدم الثقة في قدرة المجتمع على تدبير اختياراته السياسية، وهو ما يفضي إلى اتخاذ القرارات نيابة عن المواطنين بدل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
واعتبر اليونسي أن حصيلة هذا المنطق، بعد أكثر من سبعة عقود على الاستقلال، لا تنعكس فقط في ضعف بعض المؤشرات التنموية، بل تمتد إلى قضايا أكثر عمقاً تمس بنية الدولة نفسها، محدداً ثلاثة مؤشرات رئيسية.
ويتعلق المؤشر الأول، بحسبه، بمسألة السيادة بمختلف أبعادها، سواء الترابية أو الاقتصادية أو الثقافية أو التنظيمية، معتبراً أن استمرار المغرب في مواجهة تحديات مرتبطة بقضية وحدته الترابية وما يرافقها من ضغوط ومفاوضات يعكس، من وجهة نظره، محدودية استقلال القرار الوطني في بعض الملفات.
أما المؤشر الثاني فيرتبط، وفق الباحث، بتراجع الثقة في المؤسسات، التي وصفها بأنها “الحمض النووي لاستمرار الدولة”، مؤكداً أن الثقة لا تُمنح بل تُبنى عبر التراكم، وربطها بقدرة الدولة على ضمان العدالة المجالية، وتقديم الخدمات العمومية، وتحقيق التنمية لفائدة جميع المواطنين، معتبراً أن اختزال السياسة في مجرد وسيلة ظرفية ينعكس سلباً على هذه الثقة.
وفي المؤشر الثالث، توقف اليونسي عند ما اعتبره غياب العلاقة الحقيقية بين نتائج صناديق الاقتراع وصناعة القرار، معتبراً أن النموذج السياسي القائم يسمح بإجراء انتخابات دورية ضمن هامش متحكم فيه، في الوقت الذي يتزايد فيه تأثير المال في المجالين السياسي والاقتصادي، خاصة منذ انتخابات 2021، وهو ما يرى أنه قد يؤدي إلى تحول مراكز التأثير من خدمة المصلحة العامة إلى خدمة المصالح الخاصة.
وفي ختام تدوينته، دعا الأستاذ الجامعي إلى القطع مع منطق التردد وعدم الثقة في اختيارات المجتمع، معتبراً أن الرهان الحقيقي لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية يكمن في تعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، والبناء على المكتسبات التي جاء بها دستور 2011، محذراً مما وصفه بانتقال السلطوية من مرحلة “السلطوية التنافسية” إلى “السلطوية الإخضاعية”، إذا استمرت المقاربات الحالية في تدبير الشأن السياسي.
وتأتي هذه القراءة في سياق استمرار النقاش العمومي حول مستقبل الإصلاح السياسي بالمغرب، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما يرافقها من سجال حول شروط تعزيز الثقة في العملية الديمقراطية ومؤسساتها.
تعليقات الزوار