بين صمت الحكومة وغياب الأحزاب.. سبتة تفضح الغائبين عن أكبر أزمة اجتماعية تضرب المغرب

هبة زووم – تطوان
بينما كانت آلاف النساء والرجال والشباب والقاصرين يتدفقون نحو الحدود المؤدية إلى مدينة سبتة المحتلة، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفها شمال المغرب خلال السنوات الأخيرة، بدا المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد وكأنه يعيش في عالم آخر، منفصل تمامًا عن حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي كانت تتشكل أمام أنظار الجميع.
لم يسمع المواطنون خطابًا سياسيًا يطمئنهم، ولم يروا مبادرات ميدانية للأحزاب أو المؤسسات المنتخبة، كما غاب حضور الحكومة في لحظة كان المغاربة ينتظرون فيها تفسيرًا، واحتواءً، ورسائل تطمين، وإجراءات عاجلة توقف هذا النزيف البشري.
لقد تحولت الحدود إلى مسرح لمشهد غير مسبوق؛ آلاف الأشخاص، من مختلف الأعمار، يغامرون بحياتهم من أجل الوصول إلى سبتة المحتلة، في رسالة قاسية لا يمكن اختزالها في مجرد “محاولة هجرة غير نظامية”. إنها تعبير صارخ عن أزمة ثقة، وعن شعور متزايد لدى فئات واسعة بأن المستقبل أصبح خارج حدود الوطن.
وفي المقابل، كان الغياب الرسمي لافتًا ومثيرًا للتساؤلات. فالأحزاب السياسية، التي يفترض أنها تؤطر المجتمع وتنقل نبضه، اختفت عن المشهد، وكأن ما يحدث لا يعنيها. والمؤسسات المنتخبة، التي تمثل المواطنين، لم يصدر عنها ما يعكس حجم المسؤولية التاريخية المفروضة عليها، أما الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، فلم تقدم للرأي العام خطابًا سياسيًا قادرًا على طمأنة المواطنين أو تفسير ما يجري أو الإعلان عن إجراءات اجتماعية واقتصادية عاجلة تعالج جذور الأزمة.
والأخطر أن هذا الصمت ترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعات، ورسخ الشعور بأن المؤسسات عاجزة عن مواكبة حدث بهذا الحجم، في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الدولية تنقل صور آلاف المغاربة وهم يحاولون العبور نحو مدينة ما تزال المملكة تعتبرها جزءًا من ترابها الوطني المحتل.
إن إدارة الأزمات لا تقوم فقط على المقاربة الأمنية، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج أيضًا إلى حضور سياسي ومؤسساتي قوي، وإلى تواصل رسمي مسؤول، وإلى قرارات تعيد الثقة للمواطنين، خصوصًا للشباب الذين أصبحوا يرون في الهجرة، مهما كانت محفوفة بالمخاطر، خيارًا أقل قسوة من واقعهم اليومي.
لقد كشفت هذه الأحداث، مرة أخرى، عن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، وأظهرت أن غياب الفاعل السياسي في اللحظات المفصلية يضاعف الإحساس باليأس، ويترك المجتمع يواجه أزماته وحيدًا.
فحين يغيب السياسي، ويتوارى المنتخب، ويلتزم المسؤول الصمت، تتحول الأزمات الاجتماعية إلى أزمات ثقة في المؤسسات نفسها، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة.
اليوم، لم يعد السؤال يقتصر على أسباب الهجرة الجماعية، بل أصبح يتعلق أيضًا بأسباب الغياب السياسي والمؤسساتي عن واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة. فمن كان يفترض أن يخاطب المواطنين ويطمئنهم؟ ومن كان يفترض أن ينزل إلى الميدان ويستمع إلى الشباب؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك آلاف الأسر تواجه القلق والخوف في ظل صمت رسمي وسياسي أثار الكثير من علامات الاستفهام؟
إن ما حدث عند حدود سبتة ليس مجرد حادث عابر، بل إنذار سياسي واجتماعي يستوجب مراجعة عميقة لطرق تدبير الأزمات، وإعادة الاعتبار لدور المؤسسات المنتخبة والأحزاب والحكومة في الإنصات للمواطنين، لأن استمرار منطق الصمت والتجاهل لن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة، وتكرار مشاهد قد تكون أكثر مأساوية في المستقبل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد