هبة زووم – الرباط
في تدوينة تحمل أكثر من رسالة سياسية ودستورية، وضع الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي عبد الحفيظ اليونسي ملفاً تشريعياً حساساً تحت مجهر النقد، مستنداً إلى قراءة للفصل 132 من الدستور وإلى ما سماه “الكتلة الدستورية” المؤطرة لعمل المحكمة الدستورية والبرلمان.
اليونسي لا يكتفي بمناقشة المسألة من زاوية تقنية، بل يرفع سقف النقاش إلى سؤال أكبر: هل ما زالت الرقابة الدستورية تؤدي وظيفتها باعتبارها الملاذ الأخير لضمان احترام الدستور، أم أن منطق الأغلبية العددية بدأ يزاحم منطق المؤسسات والضوابط الدستورية؟
وبحسب قراءته، فإن الفصل 132 لا يغلق الباب أمام إعادة إحالة النص التشريعي على المحكمة الدستورية عبر الآليات التي يتيحها الإطار الدستوري والقانوني، خصوصاً إذا استمر الخلاف حول ما يعتبره خللاً في المسطرة.
لكن الأخطر في تدوينة اليونسي ليس هذا التفصيل القانوني وحده، وإنما الطريقة التي يعتقد أن الملف دُبّر بها سياسياً ومؤسساتياً.
أحد أبرز الانتقادات التي يوجهها اليونسي يتعلق بما يعتبره انزياحاً في ممارسة “العقلنة البرلمانية”، فالأغلبية العددية، في نظره، لا ينبغي أن تتحول إلى شيك على بياض يسمح بتمرير كل شيء لمجرد توفر الأصوات اللازمة داخل البرلمان.
والديمقراطية أيضاً مؤسسات، وضوابط، ورقابة، وتوازن للسلطات، وقدرة على حماية الأقلية وفرض احترام القواعد الدستورية، وإذا أصبح منطق “لدينا الأغلبية، إذن نملك الحق” هو القاعدة الوحيدة في التشريع، فإن البرلمان يتحول من فضاء للنقاش والتوافق إلى مجرد آلة للتصويت، وهنا تصبح الرقابة الدستورية أكثر أهمية، لا أقل.
الرسالة الأكثر حساسية في تدوينة اليونسي هي تلك المتعلقة بالمحكمة الدستورية، فالمحكمة يفترض أن تكون، في النظام الدستوري، إحدى آخر آليات ضبط التوازن المؤسساتي، وحماية سمو الدستور، ومنع تحول الأغلبية السياسية المؤقتة إلى قوة قادرة على تجاوز القواعد الدستورية.
لكن إذا بدأت المؤسسة نفسها، وفق هذا الطرح، تفقد جزءاً من وزنها الاعتباري بسبب طريقة تدبير بعض الملفات أو بسبب تضييق مساحات اللجوء إليها، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف قانوني بين أطراف مهنية وسياسية، إنه يصبح سؤالاً حول مكانة الدستور نفسه داخل الحياة السياسية، فالدستور لا يحميه النص وحده، وإنما تحميه أيضاً المؤسسات التي يفترض أن تسهر على احترامه.
اليونسي يوجه سهاماً مباشرة إلى وزير العدل، منتقداً ما يصفه بخلفية «تحكمية»، ويعتبر أن اللجوء إلى منطق إخضاع الآخرين بدل البحث عن التوافق يمكن أن يحول خلافاً مهنياً وسياسياً إلى أزمة مؤسساتية.
وهنا ينبغي التوقف، فالاختلاف السياسي والمهني أمر طبيعي، بل ضروري داخل الدولة الديمقراطية، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول المؤسسات إلى ساحات لتصفية الحسابات، أو عندما يصبح الانتصار في المعركة السياسية أهم من الحفاظ على الثقة في المؤسسات.
فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض إرادتها في كل مناسبة، والدولة القوية هي التي تستطيع إدارة الاختلاف دون أن تهتز مؤسساتها.
لماذا هذا التوقيت بالذات؟ والسؤال الذي يطرحه اليونسي في نهاية تدوينته أكثر اتساعاً من موضوع القانون نفسه.
فالمغرب، بحسب هذا الطرح، يواجه تحديات ثقيلة على أكثر من واجهة: قضية الوحدة الترابية، التحولات الإقليمية، ملف سبتة، الضغط الاجتماعي، البطالة، الفوارق الاجتماعية، والحاجة إلى نموذج اقتصادي أكثر إنتاجاً وعدالة، وفي ظل كل ذلك، يبدو غريباً أن ينشغل الفاعلون السياسيون والمؤسساتيون، كما يقول، بـ”الحساب الصغير”، وهنا تكمن المفارقة.
الدولة تحتاج إلى أكبر قدر من التوافق والثقة المؤسساتية لمواجهة التحديات الكبرى، بينما قد تؤدي الصراعات السياسية والمهنية الضيقة إلى استنزاف الرصيد المؤسساتي في معارك كان يمكن حلها بالحوار.
الأكثر دلالة أن هذه النقاشات تأتي في سياق سياسي حساس، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وهنا يصبح كل قرار وكل صراع وكل مواجهة قابلاً لأن يُقرأ من زاوية انتخابية، وهذا تحديداً ما يجب الحذر منه.
فالمؤسسات الدستورية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في المعارك الانتخابية، والقوانين لا ينبغي أن تصبح رهائن لحسابات اللحظة السياسية، والحكومة ستتغير، والأغلبيات ستتغير، والبرلمانات ستتغير، لكن المؤسسات يجب أن تبقى.
وإذا كانت كل أغلبية ستعيد تعريف حدود المؤسسات وفق موازين القوى التي تملكها، فإن الخاسر في النهاية لن يكون حزباً أو وزيراً أو معارضة، وإنما الثقة في الدولة ومؤسساتها.
لذلك، فإن النقاش الذي أثاره عبد الحفيظ اليونسي يستحق أن يتجاوز أسماء الأشخاص والاصطفافات الحزبية، والمطلوب اليوم هو جواب مؤسساتي واضح: هل تسمح القواعد الدستورية بإعادة الإحالة على المحكمة الدستورية في الحالة المطروحة؟ إذا كان الجواب نعم، فلماذا لا يتم الاحتكام إليها؟ وإذا كان الجواب لا، فما هو الأساس الدستوري والقانوني الذي يمنع ذلك؟ أما تحويل الخلاف إلى مواجهة سياسية مفتوحة، أو إلى صراع إرادات بين مؤسسات وفاعلين، فلن يخدم أحداً.
فالقاعدة الذهبية في دولة المؤسسات بسيطة: عندما يختلف السياسيون، يحتكمون إلى القانون. وعندما يختلفون حول القانون، تحتكم المؤسسات إلى الدستور، أما أن يصبح الدستور نفسه موضوعاً للتجاذب السياسي، فهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
تعليقات الزوار