هبة زووم – الرباط
تحوّلت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب إلى ساحة مواجهة سياسية حادة، بعدما فجّرت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، سلوى الدمناتي، انتقادات لاذعة في وجه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، متهمة إياه بشكل مباشر بتضليل الرأي العام بشأن المدة الزمنية اللازمة لإنشاء المقاولات في المغرب.
داخل قبة مجلس النواب المغربي، لم تكتفِ الدمناتي بلغة دبلوماسية معتادة، بل اختارت المواجهة المباشرة، ووصفت تصريح الوزير الذي يتحدث عن إمكانية إحداث مقاولة في ظرف ثلاثة أيام بـ”الكذب”، في تعبير صادم يعكس حجم الهوة بين الخطاب الحكومي والواقع الإداري الذي يواجهه المستثمرون.
النائبة لم تتحدث من فراغ، بل استندت إلى تفاصيل مسطرية دقيقة، معتبرة أن أولى خطوات إنشاء المقاولة، أي الحصول على الشهادة السلبية، تستغرق لوحدها ما بين 24 و48 ساعة، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من الإجراءات الإدارية التي قد تمتد لأسابيع، بل تصل أحياناً إلى شهر كامل، واقع، تقول المعارضة، لا علاقة له بصورة “المغرب السريع” التي تحاول الحكومة تسويقها.
الأخطر في مداخلة الدمناتي لم يكن فقط تكذيبها لأرقام الوزير، بل الإيحاء بوجود تمييز غير معلن، حين ربطت إمكانية تسريع المساطر بوجود “باك صاحبي” أو بانتماء المستثمرين إلى دوائر النفوذ، وهو اتهام ثقيل يعيد إلى الواجهة إشكالية تكافؤ الفرص في مناخ الأعمال.
وفي سياق لا يقل حدة، وجّهت البرلمانية انتقادات مباشرة لخطاب الرقمنة الذي تروّج له الحكومة، معتبرة أنه لا يعكس واقعاً عملياً، في ظل أعطاب متكررة للمنصات الإلكترونية التابعة للإدارات العمومية، والتي غالباً ما تكون خارج الخدمة، ما يحوّل “الإدارة الرقمية” إلى مجرد شعار أكثر منه أداة لتبسيط المساطر.
تصريح “نعل الشيطان إنشاء مقاولة في ثلاثة أيام؟” لم يكن مجرد انفعال عابر، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحكومة مطالبة بمصارحة المواطنين بدل الاكتفاء بأرقام “تجميلية”، لا تصمد أمام اختبار الواقع. فمناخ الاستثمار لا يُقاس بالتصريحات، بل بقدرة الإدارة على تقديم خدمة فعالة، شفافة، ومتساوية للجميع.
في المقابل، يجد الوزير نفسه أمام اختبار مصداقية حقيقي: هل الأرقام التي يقدمها تعكس فعلاً تجربة المستثمرين على الأرض، أم أنها جزء من خطاب ترويجي يستهدف تحسين صورة المغرب في التقارير الدولية؟
الواقعة، في عمقها، تكشف إشكالاً أعمق من مجرد خلاف سياسي، يتعلق بثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات. فحين تتضارب المعطيات بين الحكومة والمعارضة بهذا الشكل الحاد، يصبح السؤال مشروعاً: من يملك الحقيقة… ومن يدفع ثمن هذا التباين؟
في النهاية، يبدو أن معركة “ثلاثة أيام” ليست مجرد نقاش تقني حول آجال إدارية، بل عنوان لصراع أكبر بين خطاب رسمي يسعى إلى إبراز النجاحات، وواقع ميداني لا يزال يقاوم التغيير، ويطرح بإلحاح سؤال الإصلاح الحقيقي، بعيداً عن منطق التجميل السياسي.
تعليقات الزوار