هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون التعليم العالي رافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، يبدو أن عدداً من الجامعات المغربية يسير في اتجاه معاكس، بعدما تحولت أبواب بعض أسلاك التكوين إلى ما يشبه “الولوج المؤدى عنه”، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الجامعة العمومية، وحدود احترام الحق الدستوري في التعليم.
هذا الملف أعادته إلى الواجهة النائبة البرلمانية عن فريق فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، التي وجهت سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، مطالبة بتوضيحات حول الأساس القانوني الذي تعتمد عليه الجامعات لفرض رسوم مالية وصفت بالمرتفعة على طلبة الإجازة والماستر والدكتوراه، والتي تصل في بعض الحالات إلى 20 ألف درهم سنوياً للدكتوراه و30 ألف درهم بالنسبة للماستر.
لكن القضية لا تتعلق فقط بأرقام مالية صادمة، بل بما تعكسه من تحول خطير في فلسفة التعليم العمومي. فكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص، في الوقت الذي يصبح فيه استكمال الدراسة رهيناً بالقدرة على الأداء؟ وكيف يمكن لطالب ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل أن يوفر عشرات آلاف الدراهم لمتابعة تكوينه، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية؟
وإذا كانت الحكومة ترفع شعار الدولة الاجتماعية، فإن الواقع يطرح مفارقة صارخة؛ فبدل توسيع فرص الولوج إلى التعليم العالي، يجد آلاف الطلبة أنفسهم أمام حواجز مالية جديدة قد تدفعهم إلى التخلي عن متابعة الدراسة، ليس بسبب ضعف مستواهم العلمي، بل لأن إمكانياتهم المادية لا تسمح لهم بذلك.
الأخطر من ذلك، أن الجدل لم يتوقف عند حدود فرض الرسوم، بل امتد إلى الحديث عن مطالبة بعض الجامعات لطلبة سبق تسجيلهم قبل دخول النصوص التنظيمية الجديدة حيز التنفيذ بأداء هذه المبالغ، أو الإدلاء بما يثبت عدم مزاولتهم لأي نشاط مهني، وهو ما يثير، إذا ثبتت هذه الوقائع، إشكالية احترام مبدأ الأمن القانوني وعدم رجعية القوانين، أحد المبادئ الدستورية الأساسية التي يفترض أن تؤطر عمل الإدارة.
ولا تقف المفارقة هنا، إذ يجد الطلبة الأجراء أنفسهم أمام وضع أكثر تعقيداً. فمن جهة، يُطالبون بأداء رسوم مرتفعة تحت مبرر الاستفادة من تكوين موجه لفئتهم، ومن جهة أخرى، تستمر بعض الجامعات في برمجة الدروس والامتحانات خلال الفترات الصباحية، وكأن هؤلاء الطلبة متفرغون للدراسة، غير آبهة بخصوصية وضعهم المهني.
فأي منطق هذا الذي يجبر طالباً أجيراً على الاختيار بين الحفاظ على مصدر رزقه أو متابعة دراسته؟ وأين هي الترتيبات البيداغوجية التي يفترض أن تراعي طبيعة هذه الفئة؟ بل ما جدوى استخلاص رسوم مرتفعة إذا كانت الخدمة المقدمة لا تختلف عن التكوين العادي؟
إن ما يجري اليوم يثير مخاوف متزايدة من تكريس تعليم بسرعتين: تعليم يستطيع ولوجه من يملك القدرة المالية، وآخر تغلق أبوابه في وجه أبناء الطبقات المتوسطة والهشة، وهو ما يتناقض مع روح الدستور ومع الدور التاريخي للجامعة العمومية باعتبارها فضاءً للارتقاء الاجتماعي.
وأمام هذا الجدل، تبدو وزارة التعليم العالي مطالبة بتقديم أجوبة واضحة للرأي العام، ليس فقط حول الأساس القانوني لهذه الرسوم، وإنما أيضاً حول رؤيتها لمستقبل التعليم العمومي، وكيفية التوفيق بين حاجيات تمويل الجامعات وضمان عدم تحويل الحق في التعليم إلى امتياز مرتبط بالقدرة على الدفع.
فالحفاظ على جودة الجامعة لا ينبغي أن يكون على حساب العدالة الاجتماعية، لأن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ بضمان حق جميع المغاربة في الولوج إليه، لا بتحويله إلى خدمة لا يستطيع تحمل تكلفتها إلا القادرون.
تعليقات الزوار