هبة زووم – الرباط
يبدو أن الحكومة اكتشفت، مرة أخرى، أن مغاربة العالم يشكلون ثروة استراتيجية للمملكة، لكن بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بالنظر إليهم باعتبارهم خزانا للعملة الصعبة ومصدرا لتحويلات مالية تنقذ ميزان الأداءات كلما اشتدت الأزمات الاقتصادية.
اليوم، خرج الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان ليعلن أن استثمارات مغاربة العالم تمثل حوالي 10 في المائة من مجموع الاستثمار الخاص بالمغرب، مؤكدا أن الحكومة تريد الانتقال من منطق التحويلات المالية إلى منطق الشراكة الاستثمارية. غير أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس ما الذي تريده الحكومة من الجالية، بل ماذا قدمت لها حتى اليوم؟
فمغاربة العالم لم ينتظروا هذه الحكومة حتى يستثمروا في وطنهم. فمنذ عقود، وهم يضخون مليارات الدراهم سنويا في الاقتصاد الوطني، ويشترون العقارات، ويؤسسون المقاولات، ويخلقون فرص الشغل، رغم ما يواجهونه من عراقيل إدارية وبيروقراطية معقدة ومساطر طويلة وشكاوى متكررة من بطء الإدارة وتضارب الاختصاصات.
وإذا كانت الحكومة تتحدث اليوم عن إحداث لجان موضوعاتية وخلايا للاستقبال ونقاط اتصال بالمراكز الجهوية للاستثمار، فإن هذه الإجراءات، مهما كانت أهميتها، تبقى متأخرة إذا لم تقترن بإصلاحات حقيقية تجعل المستثمر المغربي، سواء كان داخل الوطن أو خارجه، يشعر بأن الإدارة أصبحت شريكا في الاستثمار لا عقبة أمامه.
المفارقة أن المسؤولين يتحدثون باستمرار عن استقطاب كفاءات الجالية، بينما تستمر الكفاءات نفسها في مغادرة البلاد بسبب ضعف فرص البحث العلمي، وهشاشة بيئة الابتكار، وتعقيد المساطر، وضعف التقدير الذي تحظى به الخبرات المغربية في عدد من القطاعات.
فكيف يمكن إقناع طبيب أو مهندس أو باحث أو رجل أعمال بالعودة للاستثمار في المغرب، إذا كان المستثمر المحلي نفسه يشتكي من تعقيد المساطر، وتأخر التراخيص، واختلاف التأويلات الإدارية، وغياب السرعة المطلوبة في معالجة الملفات؟
والأكثر إثارة أن الحكومة تحتفي اليوم بمنتدى حضره 150 مستثمرا من 26 دولة، بينما الجالية المغربية تضم ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم. فهل تكفي المنتديات واللقاءات البروتوكولية لإقناع هذه الطاقات بالعودة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إصلاح عميق لمناخ الأعمال، وإرساء إدارة حديثة، وقضاء تجاري ناجع، وضمانات قانونية مستقرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
لا أحد يشكك في أهمية استثمارات مغاربة العالم، ولا في ضرورة تحويل خبراتهم الدولية إلى رافعة للتنمية الوطنية، لكن المشكلة أن الخطاب الرسمي ما يزال يركز على استقطاب الأموال أكثر من تركيزه على معالجة الأسباب التي تدفع آلاف الكفاءات إلى الاستقرار خارج الوطن.
فالدول التي نجحت في استعادة عقولها لم تعتمد فقط على حملات الترويج، بل وفرت بيئة تنافسية حقيقية، وإدارة فعالة، ومناخا اقتصاديا مستقرا، ومؤسسات تضمن تكافؤ الفرص، وتحارب البيروقراطية والزبونية.
أما الاكتفاء بالإعلان عن لجان وخلايا ومواكبة إدارية، فلن يكون كافيا إذا ظل المستثمر، سواء كان من داخل المغرب أو من خارجه، يصطدم بالعراقيل نفسها التي ظلت تتكرر لسنوات.
إن مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في تقارير رسمية، ولا مجرد مصدر للعملة الصعبة أو للاستثمار، بل هم طاقات بشرية وخبرات عالمية تستحق سياسة عمومية متكاملة تقوم على الثقة والشفافية والنجاعة، لا على الخطابات الموسمية التي تتجدد كلما ارتفعت الحاجة إلى تعبئة الموارد المالية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في استقطاب أموال الجالية فقط، بل في استعادة ثقتها. وهذه الثقة لا تُبنى بالمنتديات والبلاغات، وإنما تُبنى بإصلاحات ملموسة يشعر بها المستثمر منذ أول خطوة يضعها داخل الإدارة المغربية.
تعليقات الزوار