سطات: الكسابة يدفعون الثمن والشناقة يجنون الأرباح والرحبة تعيش على وقع فوضى التسعير في غياب المراقبة

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في أسواق الماشية بإقليم سطات، لا تُرسم الأسعار فقط بقانون العرض والطلب، بل تُفرض بقانون الحاجة والجشع، مشهد لا يُثير فقط استياء الكسابة الصغار، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرِجاً: إذا كان الكساب – الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج – يُجبر على بيع مواشيه بخسارة لتوفير السيولة، بينما يجني الشناقة أرباحاً مضاعفة دون مخاطر الإنتاج.
فكيف ننتظر من سوق حر أن يكون عادلاً؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الرحبة من فضاء تبادل إلى ساحة مضاربة تُنهك كرامة المنتج وتُربك المستهلك؟
فبينما تشهد الأسواق وفرة في العرض وتراجعاً في القدرة الشرائية، يظل الكساب الصغير رهينة تكاليف أعلاف مرتفعة ومصروفات نقل مرهقة ورسوم أسبوعية متراكمة، في وقت يُسيطر فيه الوسطاء على آلية التسعير بفضل خبرتهم في السوق وقدرتهم على استغلال حاجة المنتج.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث الفوضى بينما يُترك الكساب يتفرج على دخله وهو يُسرق أمام عينيه تحت غطاء حرية السوق؟
وهنا، يجد الكساب، باعتباره الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، نفسه أمام التزامات مالية متراكمة لا تحتمل التأجيل: أعلاف ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ، مصاريف نقل تثقل كاهله، رسوم أسبوعية تُخصم من هامش ربحه الضيق أصلاً.
وأمام هذه الضغوط، يضطر عدد من الكسابة – خاصة الصغار والمتوسطين – إلى بيع مواشيهم بسرعة لتوفير السيولة، حتى وإن كان ذلك بأثمان أقل من قيمتها الحقيقية.
في المقابل، يبرز الوسطاء، أو ما يُعرف في الأوساط الشعبية بـ”الشناقة”، كأحد أبرز المستفيدين من هذه الوضعية، فبفضل خبرتهم الميدانية في السوق وقدرتهم على التفاوض، يستغلون حاجة الكساب للسيولة لشراء أعداد من الماشية بأسعار منخفضة نسبياً، قبل إعادة تسويقها لاحقاً بهوامش ربح أكبر.
هذا الدور المتنامي للوسطاء يجعل عملية التسعير في كثير من الأحيان بعيدة عن منطق العرض والطلب المباشر، ويحد من فرص البيع المباشر بين الكساب والمستهلك، ما يمنح الوسيط نفوذاً متزايداً داخل السوق ويتحكم في البوصلة السعرية بعيداً عن الشفافية.
أما المستهلك، فيجد نفسه بدوره أمام معادلة معقدة. فرغم تسجيل تراجع نسبي في الأسعار في بعض الفترات، إلا أن حالة عدم اليقين التي تطبع السوق تدفع كثيراً من المواطنين إلى التريث قبل اتخاذ قرار الشراء.
كما أن تزايد الحديث عن المضاربات ودور الوسطاء في تحديد الأسعار عزز حالة من الحذر لدى المستهلكين، الذين أصبحوا أكثر ميلاً لمراقبة تطورات السوق والتحقق من الأسعار قبل الإقدام على الشراء، خوفاً من الوقوع في فخ الأسعار المغالية أو الجودة غير المتطابقة.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح واقع أسواق الماشية بالمغرب تساؤلات متزايدة حول ضرورة تعزيز آليات التنظيم والمراقبة داخل هذه الفضاءات التجارية، فغياب التأطير الكافي يفتح المجال أمام ممارسات غير متكافئة، يكون الكساب أول ضحاياها، بينما يتحمل المستهلك في النهاية كلفة هذه الاختلالات.
ويرى مهنيون ومهتمون بالشأن الفلاحي أن إعادة التوازن إلى هذا القطاع تمر عبر مقاربة شمولية تعزز حماية المنتج، وتضمن شفافية الأسعار، وتحدد دور الوسيط ضمن إطار واضح يضمن عدالة السوق، بعيداً عن الفوضى التي قد تضر بالاقتصاد المحلي.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل الرحبة فضاءً تتقاطع فيه المصالح والضغوط، حيث تُرسم الأسعار بين كاسب يبيع تحت ضغط الحاجة، ووسيط يقتنص فرص الربح في اللحظة المناسبة، ومستهلك يترقب فرصة شراء عادلة.
ويبقى الرهان على السلطات المختصة لتعزيز آليات المراقبة وتنظيم السوق، لضمان أن تكون أسواق الماشية فضاءً للتنمية الاقتصادية العادلة، لا ساحة لاستغلال الحاجة وفرض الأسعار دون ضوابط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد