بين وعود الحكومة وتعقيدات المساطر.. الشغيلة التعليمية تترقب الحسم في ملف التعويضات والترقيات قبل فاتح ماي
هبة زووم – محمد خطاري
في وقت تُعلِن فيه مصادر نقابية أن الحكومة تتجه نحو الحسم في ملف تعويضات الشغيلة التعليمية قبل فاتح ماي 2026، يبرز سؤال مُحرِج: لماذا تصل الأمور إلى حد الإنذار النقابي والتلويح بالتصعيد قبل أن تتحرك الدولة لتنفيذ حقوق مُكتسبة باتفاقيات موقعة؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل مستحقات مالية إلى وعود موسمية تُربط بمواعيد سياسية بدلاً من استحقاقات قانونية؟
فبينما يُفترض أن تكون التعويضات والترقيات حقوقاً مُفعَّلة وليست منحاً تفضيلية، يجد آلاف الأساتذة أنفسهم ينتظرون فرجاً إدارياً يُؤجل عاماً بعد عام، في وقت تُصرف فيه الملايين على دراسات ومكاتب استشارية بينما تظل جيوب الشغيلة التعليمية فارغة.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث البيروقراطية بينما يُترك الأستاذ يتفرج على حقه وهو يُسرق أمام عينيه تحت غطاء استكمال المساطر التقنية؟
هذا، وسجل الاجتماع تقدماً في عدد من الملفات ذات الأثر المالي المباشر، من بينها مشروع التعويض عن العمل بالمناطق النائية، حيث تم تقديم عرض أولي من طرف مكتب للدراسات، لكن السؤال الجوهري: لماذا يحتاج تعويض عن عمل شاق إلى مكتب دراسات وعروض أولية واجتماعات تقنية بينما يُفترض أن يكون حقاً مُكتسباً منذ توقيع الاتفاقيات؟
هذا التفاوت بين الإعلان عن التقدم وواقع التنفيذ يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُعلن الوزارة عن جدول زمني ملزم لصرف كل تعويض، بدلاً من الاكتفاء بعبارات مرنة تفتح باب التأجيل؟ وأين هي آلية محاسبة تضمن أن كل مكتب دراسات أو لجنة تقنية لا يتحول إلى ذريعة لتأجيل الحقوق؟ وكيف يمكن للأستاذ أن يثق في وعود الوزارة بينما يجد ملفه ينتقل من لجنة إلى لجنة دون أن يصل إلى حسابه البنكي؟
فتحويل الحق المالي من استحقاق قانوني إلى رهينة المساطر لا يُهدر فقط كرامة الشغيلة التعليمية، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة البيروقراطية على شرف العدالة.
كما تم التأكيد على صرف تعويضات المناطق النائية بأثر رجعي عن سنتي 2024 و2025، خطوة تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعكس منطق التأجيل الذي يُجبر الأستاذ على الانتظار سنوات قبل استحقاق ما هو له أصلاً.
هذا السياق المقلق يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُصرف التعويضات فور استحقاقها بدلاً من انتظار أثر رجعي يُربك ميزانيات الأسر؟ أين هي الفوائد التأخيرية التي كان يفترض أن تُضاف للمستحقات المُؤجلة، تعويضاً عن ضرر الانتظار؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين الشغيلة والوزارة بينما تُترك شبهات التسويف تُحيط بملفات حساسة كالمستحقات المالية؟
فتحويل الأثر الرجعي من آلية إنصاف إلى ذريعة تأجيل لا يُهدر فقط حقوق الأساتذة، بل يُعمّق شعورهم بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من حامي للحق إلى حارس للمساطر.
885 حالة تهم الأساتذة المساعدين، 9100 حالة عبر منظومة “إدماج”، 35720 حالة أقدمية اعتبارية، 13499 ملف تعويض عن التكوين، أرقام تبدو مبهرة في البلاغات الرسمية، لكنها في واقع الشغيلة التعليمية تعني آلاف الأسر تنتظر فرجاً إدارياً قد يتأخر مرة أخرى.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن الوزارة عن نسبة الإنجاز الفعلية لكل ملف، بدلاً من الاكتفاء بأرقام إجمالية لا تعكس واقع المعاناة؟ أين هي آلية الشفافية التي تسمح للأستاذ بمتابعة ملفه الشخصي، بدلاً من تركه في منطقة رمادية بين قيد الدراسة وفي طريق الأداء؟ وكيف يمكن ضمان حسم حقيقي بينما تُترك شبهات التأجيل تُحيط بملفات حساسة كمستحقات الشغيلة؟
فتحويل الملف الإداري من حق شخصي إلى رقم إحصائي لا يُهدر فقط كرامة المهنيين، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُقدم راحة الإحصاء على شرف الإنصاف.
وتؤكد المصادر أن الحسم في هذه الملفات قبل فاتح ماي يظل رهينا بسرعة استكمال المساطر التقنية والمالية، عبارة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تفتح باب التأجيل المبرر إذا لم تُحترم الآجال.
هذا السياق المقلق يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تتحمل الوزارة مسؤولية التأخير إذا لم تُحترم آجال فاتح ماي، بدلاً من ربط الحسم بسرعة المساطر التي هي من صلاحياتها؟ أين هي البدائل التعويضية إذا تأخر الصرف، لضمان ألا يتحمل الأستاذ وحده ثمن بطء الإدارة؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين الشغيلة والوزارة بينما تُترك شبهات التسييس تُحيط بملفات حساسة كمواعيد الصرف؟
فتحويل الموعد النهائي من التزام قانوني إلى رهان سياسي لا يُهدر فقط مصداقية الحوار الاجتماعي، بل يُعمّق شعور الشغيلة بالعجز الحقوقي الذي يُحوّل الاتفاقيات من عقد ملزم إلى توصيات استشارية.
لم يعد اليوم مقبولاً أن تُترك ملفات الشغيلة التعليمية رهينة المساطر التقنية وصمت التنفيذ، فما يحتاجه الأساتذة والمهتمون بالشأن التربوي اليوم هو: إعلان فوري عن تواريخ صرف محددة لكل تعويض وترقية، مع عقوبات إدارية في حال التأخير، نشر لوحات تتبع شفافة تسمح لكل أستاذ بمتابعة حالة ملفه الشخصي إلكترونياً، مع اعتماد آلية تعويض تأخيري تلقائية تُضاف للمستحقات في حال تجاوز الآجال المعلنة.
ما تعيشه الشغيلة التعليمية مع ملف التعويضات والترقيات ليس خلافاً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحوار الاجتماعي وقدرة الوزارة على تجاوز عقلية البيروقراطية لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود أبريل من كلمات في بلاغ إلى حقوق في الحسابات، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التأجيل التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لإنصاف الأستاذ إلى مغنم لحماية المساطر وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان كرامة من يحملون رسالة التربية.