بين صمت الوزارة وارتفاع الفواتير المواطن يدفع ثمن جشع القطاع الخاص

هبة زووم – محمد خطاري
في وقت ترفع فيه الدولة شعار تعميم الحماية الاجتماعية وتيسير الولوج إلى العلاج، يواجه المواطن المغربي واقعاً صادماً: فواتير طبية تتضخم بشكل مفاجئ، وقطاع خاص يبدو أنه يتحرك خارج أي ضوابط فعلية.
هذا ما فجّرته النائبة البرلمانية حياة لعرايش، التي دقّت ناقوس الخطر بشأن الزيادات “الأحادية” التي أقرها عدد من أطباء القطاع الخاص، والتي بلغت، حسب معطياتها، 25% دفعة واحدة.
داخل مجلس النواب المغربي، لم يكن سؤال لعرايش مجرد استفسار تقني، بل اتهام مباشر لحالة انفلات تضرب أحد أكثر القطاعات حساسية: الصحة، فحين ترتفع كلفة الفحص الطبي بهذه النسبة، دون تأطير أو تبرير مقنع، يصبح العلاج امتيازاً طبقياً، لا حقاً دستورياً.
النائبة وضعت الإصبع على جرح حقيقي: الهوة المتسعة بين التعريفة المرجعية التي تعتمدها صناديق التأمين، والأسعار التي تُفرض فعلياً على المرضى.
هذه الفجوة لا تُترجم فقط في أرقام، بل في معاناة يومية لمواطن يُجبر على أداء الفارق من جيبه، في ظل نظام تعويض عاجز عن مواكبة الواقع. والنتيجة؟ حماية اجتماعية على الورق ونزيف مالي على الأرض.
الأخطر أن هذه الزيادات تأتي في سياق اقتصادي خانق، حيث تتآكل القدرة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار في مختلف القطاعات، ومع ذلك، يبدو أن القطاع الطبي الخاص اختار السير في الاتجاه المعاكس، فارضاً منطق السوق في مجال يفترض أن تحكمه اعتبارات إنسانية وأخلاقية قبل أي شيء آخر.
السؤال الذي طرحته لعرايش يتجاوز الأرقام: أين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية من كل هذا؟ وهل تملك فعلاً أدوات ضبط الأسعار، أم أن القطاع الخاص أصبح منطقة شبه خارج السيطرة؟
فغياب رقابة صارمة وفعالة يفتح الباب أمام ممارسات تكرّس الفوارق وتُقوّض الثقة في منظومة صحية يفترض أن تكون صمام أمان اجتماعي.
ثم ماذا عن الاتفاقية الوطنية للتعريفة المرجعية؟ هذا الإطار الذي كان يفترض أن يضمن توازناً بين مصالح الأطباء وقدرة المرضى، يبدو اليوم متجاوزاً، إن لم نقل معطلاً، في ظل واقع لا يعترف إلا بمنطق العرض والطلب.
المفارقة الصارخة أن الدولة تستثمر مليارات الدراهم في ورش الحماية الاجتماعية، بينما تُفرَّغ هذه الجهود من محتواها بفعل ممارسات غير مؤطرة في القطاع الخاص، فكيف يمكن الحديث عن تعميم التغطية الصحية، في وقت يصبح فيه الولوج إلى أبسط فحص طبي رهيناً بالقدرة على الدفع؟
في المحصلة، ما كشفته النائبة ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق: غياب توازن حقيقي بين الحق في العلاج ومنطق الربح. وبين صمت الجهات الوصية وارتفاع الفواتير، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع من صحته ومن جيبه.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تتحرك الوزارة لفرض قواعد واضحة تُنهي هذا الانفلات، أم أن “صحة المغاربة” ستظل رهينة سوق مفتوحة بلا سقف ولا ضوابط؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد