هبة زووم – ميدلت
لم يعد الصمت ممكناً، هكذا اختارت نساء دوار “برم” التابع للجماعة الترابية أيت إزدك بإقليم ميدلت، أول أمس الثلاثاء 5 ماي 2026، أن يرفعن أصواتهن في وجه واقع العطش والتهميش، بعدما خرجن للاحتجاج والمطالبة بحق بسيط يفترض أنه محسوم منذ سنوات: الماء الصالح للشرب.
مشهد النساء وهن يطالبن بإيصال صبيب الماء إلى منازلهن لا يمكن اعتباره مجرد احتجاج عابر، بل هو إدانة صريحة لفشل السياسات المحلية في ضمان أبسط شروط العيش الكريم.
ففي زمن تتحدث فيه المؤسسات عن التنمية المستدامة وتقليص الفوارق المجالية، لا تزال دواوير بأكملها تعيش خارج دائرة الحقوق الأساسية.
الاحتجاج النسائي بدوار “برم” فضح حقيقة موجعة: جزء من ساكنة الجماعة ما زال محرومًا من مادة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها، بينما تستمر لغة الأرقام والبرامج في تزيين الخطابات الرسمية.
فحين تضطر النساء إلى الخروج للشارع من أجل الماء، فهذا يعني أن كل الشعارات المرتبطة بالعدالة المجالية لم تتجاوز بعد مستوى الخطاب.
المجلس الجماعي لـجماعة أيت إزدك حاول الدفاع عن نفسه بالتلويح بمحدودية الموارد، مبرراً تعثر تعميم الربط بالماء بالإكراهات المالية.
غير أن هذا التبرير لم يعد يقنع الساكنة ولا الفعاليات المدنية، التي ترى أن دور المجالس المنتخبة لا يقتصر على تبرير العجز، بل يفرض البحث عن الحلول وطرق أبواب المؤسسات الشريكة، وعلى رأسها مجلس الجهة والمجلس الإقليمي.
الأكثر إحراجاً أن رئيس الجماعة ينتمي إلى أحد الأحزاب المشكلة للأغلبية المسيرة لمجلس الجهة، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى هذا “الانسجام السياسي” إذا كان عاجزاً حتى عن توفير الماء لدواوير تعيش العطش.
المعطيات المتداولة تكشف حجم الأزمة أكثر، إذ تشير إلى وجود ما يقارب 200 طلب للربط بالماء الصالح للشرب وُضعت فوق مكتب رئيس الجماعة، إلى جانب حرمان ثلاث دواوير كاملة من هذه الخدمة الأساسية، أرقام تعكس بوضوح أن الأمر لم يعد حالة معزولة، بل اختلالاً بنيوياً في تدبير قطاع حيوي.
صحيح أن الجماعة تتحدث عن بلوغ نسبة 75 في المائة من التغطية، بفضل مساهمات الجماعة وبرامج العمالة ودعم المجلسين الإقليمي والجهوي، لكن الوجه الآخر لهذه الأرقام يقول إن ربع الساكنة تقريباً ما زال خارج الاستفادة، وفي ملف يتعلق بحق أساسي كالماء، فإن أي نسبة حرمان تُعتبر فشلاً لا إنجازاً.
أما الحديث عن الحاجة إلى 500 مليون سنتيم لسد الخصاص وتحقيق التغطية الشاملة، فهو يكشف مرة أخرى حجم الهوة بين الإمكانيات المعلنة وحاجيات الساكنة الحقيقية، ويطرح سؤال الأولويات داخل السياسات الترابية.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالماء، بل بصورة التنمية في العالم القروي المغربي، فحين تُترك النساء لمواجهة العطش، بينما تُصرف الملايين على مشاريع أقل أولوية، تصبح الأزمة أزمة اختيارات قبل أن تكون أزمة موارد.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن الحديث عن مغرب التنمية والعدالة المجالية، بينما لا تزال نساء في دواوير نائية يخرجن للاحتجاج من أجل حق بدائي اسمه الماء؟
تعليقات الزوار