هبة زووم – طنجة
لم تعد أزمة مدينة طنجة مرتبطة فقط بالبنيات التحتية أو اختلالات التدبير المحلي، بل أصبحت أزمة أعمق تمس جوهر الفعل السياسي نفسه: أزمة نخب.
فالمشهد الحزبي والسياسي بالمدينة يبدو اليوم وكأنه أُفرغ من معناه، بعدما تحولت السياسة، في نظر كثيرين، إلى مجال يحتكره “الفراقشية” وأصحاب المصالح والوجوه المستهلكة، بدل أن تكون فضاءً لإنتاج الكفاءات وصناعة البدائل.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل فعلاً عجزت طنجة، بكل ما تزخر به من طاقات وكفاءات شبابية، عن إنجاب نخب جديدة قادرة على تدبير الشأن العام؟ أم أن الأمر يتعلق بمنظومة سياسية مغلقة، تعيد تدوير نفس الأسماء وتمنع أي نفس جديد من الصعود؟
الدستور المغربي كان واضحاً حين نص في فصله السابع على أن الأحزاب السياسية مطالبة بتأطير المواطنين وتكوينهم وتعزيز انخراطهم في تدبير الشأن العام.
لكن ما يحدث على الأرض يكشف العكس تماماً. فبدل أن تتحول الأحزاب إلى مدارس لإنتاج القيادات، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد آليات انتخابية موسمية، تُفتح أبوابها أمام أصحاب النفوذ والمال أكثر مما تُفتح أمام الكفاءة والفكر.
أحد أخطر مظاهر هذا الإفلاس هو استمرار نفس الوجوه في احتلال مواقع القرار لسنوات طويلة، سواء داخل الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة أو حتى في تدبير قطاعات استراتيجية.
أسماء تتنقل من منصب إلى آخر، ومن حزب إلى آخر أحياناً، دون أن يُطرح سؤال الكفاءة أو الحصيلة أو حتى المشروعية السياسية.
الأكثر إثارة للقلق هو هذا الميل المتزايد نحو الاستعانة بأشخاص خارج الفعل السياسي الحقيقي، فقط لأنهم قريبون من دوائر النفوذ أو يملكون القدرة على التحكم في التوازنات الانتخابية، وهنا تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى مجرد سوق للمصالح والتحالفات العابرة.
وفي مدينة بحجم طنجة، التي تعيش تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، يبدو هذا الواقع أكثر خطورة. فالمدينة تحتاج إلى نخب تمتلك رؤية وقدرة على مواكبة التحولات، لا إلى وجوه استهلكها التدبير والمصالح الضيقة والصراعات الشخصية.
ثم ماذا عن ظاهرة الجمع بين المناصب والمسؤوليات؟ كيف يمكن الحديث عن تخليق الحياة العامة في ظل استمرار بعض المسؤولين في احتكار مواقع متعددة، رغم ما ينص عليه القانون التنظيمي رقم 13.065؟ أليس هذا تكريساً لنفس منطق الريع السياسي الذي يقتل التداول ويغلق الباب أمام الكفاءات الجديدة؟
المشكلة اليوم لم تعد فقط في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية التي أنتجتهم. ثقافة تعتبر المنصب غنيمة، والحزب وسيلة للتموقع، والانتخابات طريقاً للنفوذ لا لخدمة المواطنين.
لذلك لم يعد مستغرباً أن يشعر جزء واسع من الشباب بالعزوف واللامبالاة، بعدما فقد الثقة في مشهد لا يكافئ الكفاءة بقدر ما يكافئ الولاء والمصلحة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخطر: كيف يمكن بناء الإنسان، أو الحديث عن تنمية حقيقية، بوجوه فقدت القدرة على الإقناع قبل القدرة على التدبير؟ وكيف يمكن لمدينة بحجم طنجة أن تواصل طموحها وهي تُدار بنفس العقليات التي أنتجت الأزمة؟
إن ما تعيشه طنجة اليوم ليس فقط أزمة نخب، بل أزمة ثقة في السياسة نفسها.
تعليقات الزوار