حسن غربي – الحسيمة
لم يعد النقاش الدائر حول تدبير المالية المحلية بمدينة الحسيمة مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى سؤال جوهري يلامس صميم الحكامة الترابية: كيف يمكن لمجلس جماعي أن يواصل صرف الدعم للجمعيات، في الوقت الذي تتراكم فيه ديون مثبتة بأحكام قضائية نهائية لفائدة أفراد وشركات؟
المعادلة هنا ليست تقنية ولا محاسباتية فحسب، بل هي اختبار حقيقي لمدى احترام القانون وترتيب الأولويات داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون ضامنة للحقوق، لا طرفاً في تعطيلها.
القانون واضح ولا يحتمل التأويل: النفقات الإجبارية، وعلى رأسها تنفيذ الأحكام القضائية، تأتي في صدارة الالتزامات التي يجب على الجماعات الترابية الوفاء بها دون تأخير.
غير أن ما يجري بالحسيمة يوحي بعكس ذلك تماماً، حيث يتم التعامل مع هذه الالتزامات وكأنها مؤجلة أو قابلة للتسويف، مقابل استمرار ضخ الأموال في نفقات اختيارية، من بينها دعم بعض الجمعيات.
هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام: هل يتعلق الأمر بسوء تقدير مالي؟ أم بقرار سياسي موجه؟ أم أن منطق “الانتقائية” بدأ يتسلل إلى تدبير المال العام؟
لا أحد يجادل في أهمية النسيج الجمعوي ودوره في تنشيط الحياة المحلية، لكن هذا الدور يفقد معناه عندما يتحول الدعم إلى عنصر مثير للجدل، خصوصاً في ظل وجود التزامات مالية لم تُحترم بعد.
المشكلة ليست في الدعم في حد ذاته، بل في توقيته وسياقه. فحين ينتظر دائنون تنفيذ أحكام قضائية لسنوات، بينما تُصرف منح لجمعيات بشكل منتظم، فإن الرسالة التي تُبعث إلى الرأي العام هي أن هناك اختلالاً في ميزان العدالة المالية، وأن بعض الملفات تُقدّم على غيرها لأسباب غير واضحة.
استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط التوازن المالي للجماعة، بل يضرب في العمق ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، لأن تنفيذ الأحكام القضائية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تجسيد فعلي لدولة القانون، وأي تهاون في هذا الجانب يفتح الباب أمام التشكيك في جدوى المساطر القانونية برمتها.
وأمام هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى السلطة الإقليمية، التي يُفترض أن تسهر على احترام قواعد التدبير السليم، وتعيد توجيه البوصلة نحو الأولويات القانونية، كما يبرز دور هيئات الحكامة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، في افتحاص هذه الاختلالات وترتيب المسؤوليات إن ثبت وجود تجاوزات.
الحسيمة اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في هذا التوازن الهش الذي يخلط بين الواجب والاختياري، أو إعادة ترتيب الأولويات وفق منطق القانون والعدالة المالية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في دعم الجمعيات فقط، بل في بناء نموذج تدبيري يُقنع المواطن بأن حقوقه لا تخضع للمساومة، وأن المال العام يُصرف وفق قواعد واضحة، لا وفق اعتبارات ظرفية أو حسابات ضيقة.
تعليقات الزوار