هبة زووم – حسن لعشير
لم يكن إطلاق خدمات النقل الحضري الجديدة بمدينة تطوان ونواحيها، الممتدة إلى مرتيل والمضيق والفنيدق، حدثًا عادياً كما أراد له القائمون عليه أن يبدو، بل تحوّل منذ يومه الأول إلى صدمة اجتماعية حقيقية، بعد الارتفاع المفاجئ والمثير للجدل في أسعار التذاكر.
ففي الوقت الذي انتظرت فيه الساكنة تحسين جودة الخدمة، وجدت نفسها أمام زيادات وُصفت بـ”الصادمة”، بلغت في بعض الحالات 60%، ما حول هذا المرفق الحيوي من خدمة عمومية إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطنين، خاصة الفئات الهشة.
الأرقام وحدها كفيلة بكشف حجم الاختلال: الانتقال من 7 دراهم إلى 10 دراهم، ومن 2.5 درهم إلى 4 دراهم داخل المدينة، ليس مجرد “تحيين تسعيرة”، بل قرار فجائي يمس القدرة الشرائية بشكل مباشر، في سياق اجتماعي يتسم أصلاً بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد البطالة.
هذه الزيادات لم تسبقها أي تهيئة للرأي العام، ولا نقاش عمومي، ولا حتى تبرير مقنع، ما جعلها تبدو وكأنها فُرضت كأمر واقع، في غياب تام لمقاربة تشاركية تحترم ذكاء المواطن وحقه في المعلومة.
في قلب هذا الجدل، وجّه عادل بنونة، عضو مجلس الجماعة، انتقادات لاذعة لرئيس الجماعة مصطفى البكوري، معتبراً أن تدبير ملف النقل الحضري طغى عليه الصمت والتكتم، بدل الوضوح والمساءلة.
فبدل الخروج بندوة صحفية تشرح للرأي العام تفاصيل صفقة التدبير المفوض، اختار المسؤولون الاكتفاء بلقطات إعلامية توثق لوصول الحافلات الجديدة، في مشهد أقرب إلى “التسويق السياسي” منه إلى ممارسة مسؤولة لتدبير مرفق عمومي.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل الهدف هو إقناع المواطن بالخدمة، أم إبهاره بالصورة؟
الغموض لا يقف عند حدود التسعيرة، بل يمتد إلى جوهر الصفقة نفسها: أين هي الدراسات القبلية؟ من هي الشركات المتنافسة؟ كيف تم تقييم العروض؟ وما هي شروط العقد ومدته وتكلفته؟
أسئلة يطرحها القانون قبل المواطن، لكن لا أحد يكلف نفسه عناء الإجابة عنها، في خرق واضح لروح القانون 54.05 المؤطر للتدبير المفوض، الذي يقوم أساساً على الشفافية وتكافؤ الفرص.
الأخطر في كل ما يحدث، أن القرارات المتخذة تجاهلت بشكل واضح البعد الاجتماعي، وكأن النقل الحضري خدمة تجارية صرفة، لا مرفق عمومي يفترض أن يراعي القدرة الشرائية للمواطنين.
فالطالب، والعامل البسيط، والفلاح الذي يتنقل يومياً، هم أول من سيدفع ثمن هذه الزيادات، في غياب أي إجراءات موازية للتخفيف من أثرها.
ما يجري في تطوان ليس مجرد إطلاق أسطول جديد، بل اختبار حقيقي لمفهوم الحكامة المحلية، فالتدبير الجيد لا يقاس بعدد الحافلات، بل بمدى احترام المواطن، وإشراكه، وحمايته من قرارات مفاجئة تثقل كاهله.
وبين صمت المسؤولين وغضب الشارع، يبقى السؤال معلقاً: هل سيخرج القائمون على هذا الملف لتوضيح الحقيقة كاملة، أم سيستمر الرهان على “بلاغات الصمت” وصور الواجهة؟
تعليقات الزوار