الفنيدق: سندات طلب “منتفخة” تضع الجماعة في مرمى التحقيق

هبة زووم – تطوان
لم يعد ما يجري داخل جماعة الفنيدق مجرد حديث عابر عن اختلالات في التدبير، بل تحول إلى ملف ثقيل يضع المال العام في قلب الشبهات، ويكشف عن ممارسات تثير أكثر من علامة استفهام حول كيفية صرفه، ومن يقف وراء ذلك.
ففتح تحقيق إداري دقيق من طرف مصالح وزارة الداخلية بعمالة المضيق-الفنيدق بشأن سندات طلب مسربة، ليس إجراءً عادياً، بل مؤشر واضح على أن ما تم تداوله تجاوز حدود “الخطأ الإداري” ليقترب من دائرة العبث الممنهج بالمال العمومي.
سندات تتعلق بمواد غذائية ومكسرات ومشروبات، لكنها تحمل أرقاما وُصفت بالمبالغ فيها بشكل صادم، وكأن الأمر يتعلق بموائد فاخرة لا بتدبير شؤون جماعة ترابية يفترض فيها ترشيد النفقات وخدمة الساكنة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الوقائع تعيد طرح السؤال القديم الجديد: كيف تُمرَّر مثل هذه المصاريف؟ وأين كانت آليات المراقبة الداخلية؟ وهل نحن أمام اختلالات معزولة، أم أمام نمط تدبير يفتح الباب أمام تضخيم الفواتير كآلية لتصريف المال العام خارج منطق المحاسبة؟
قرار عامل الإقليم برفض التأشير على ميزانية صفقة النظافة لا يقل دلالة عن فتح التحقيق، بل يعكس وجود خلل أعمق في فلسفة التدبير، حيث لم تعد الصفقات العمومية تُناقش فقط من زاوية الكلفة، بل من زاوية الشفافية والنزاهة واحترام القانون.
فأن تُعاد ميزانية بهذا الحجم إلى نقطة الصفر، فذلك يعني أن ما قُدم لم يكن يستجيب للحد الأدنى من شروط الحكامة.
وفي خضم هذا المشهد، يطفو على السطح واقع مقلق: جماعات ترابية تُدبّر بمنطق مناسباتي، حيث تتحول سندات الطلب من آلية قانونية لتلبية الحاجيات، إلى قنوات محتملة لتضخيم النفقات، في غياب رقابة صارمة ومحاسبة فعلية.
ما يجري في الفنيدق اليوم ليس مجرد تحقيق إداري، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على فرض هيبة القانون داخل الجماعات الترابية، إما أن تتحول هذه الملفات إلى نقطة بداية لإرساء حكامة حقيقية، أو أن تبقى مجرد زوبعة عابرة سرعان ما تخفت، ليعود العبث من جديد بوجوه مختلفة.
فالرهان لم يعد فقط كشف الحقيقة، بل ضمان ألا يتكرر هذا “العبث” في تدبير المال العام، لأن ثقة المواطن لا تُرمم بالبلاغات، بل تُبنى بالمحاسبة الصارمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد