هبة زووم – الرشيدية
في مشهد يختزل أعطاب الحكامة المحلية، تحوّل مستوصف حضري بمدينة كلميمة إلى إقامة شبه دائمة لمستشار جماعي ينتمي إلى غريس السفلي، في واقعة تمتد لأكثر من عشرين سنة، دون أن تنجح السلطات المحلية أو المصالح الجهوية لوزارة الصحة في وضع حد لهذا “الاستثناء” الذي يضرب في العمق مبدأ حماية الملك العمومي.
المعطيات المتداولة تكشف أن هذا المستشار لم يكتفِ باستغلال السكن الوظيفي المرتبط بالمستوصف، بل حوّله إلى مسكن عائلي دائم، رغم توفره على فيلا خاصة داخل النفوذ الترابي لجماعته.
الأخطر من ذلك، أن محاولات تنفيذ قرارات الإفراغ ظلت تصطدم بسيناريو متكرر: تسريب مواعيد اللجان، ثم إفراغ مؤقت للمكان، قبل العودة إليه مباشرة بعد انصرافها، في سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي توفر له “مظلة حماية” غير معلنة.
المفارقة الصادمة أن هذا المستوصف ظل خارج الخدمة لعقود، في وقت تعرف فيه كلميمة خصاصاً واضحاً في البنيات الصحية، وحاجة ملحّة إلى مرافق من قبيل دور الأمومة ومراكز صحة الأم والطفل.
بمعنى آخر، ليس الأمر مجرد احتلال عقار، بل تعطيل مرفق عمومي كان يمكن أن يساهم في تخفيف معاناة الساكنة وتحسين العرض الصحي بالمنطقة.
وتشير المعطيات إلى أن بداية هذا الوضع تعود إلى فترة اشتغال والد المستشار كممرض بالمستوصف، حيث كان يستفيد من السكن الوظيفي بشكل قانوني، غير أن هذا الامتياز تحوّل، مع مرور الزمن، إلى حق مكتسب خارج كل سند قانوني، استمر بعد مغادرة الوظيفة، وتوارثه الابن في مشهد يختزل خللاً عميقاً في تدبير الملك العمومي.
لا يقف الأمر عند هذه الحالة فقط، إذ تشير المعطيات إلى استمرار استغلال سكن وظيفي آخر من طرف موظف متقاعد في قطاع الفلاحة، ما يعكس أن الظاهرة ليست معزولة، بل تمتد في ظل غياب الصرامة في تطبيق القانون.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمستشار جماعي أن يستمر في احتلال مرفق عمومي لعشرين سنة دون تنفيذ قرارات إفراغ؟ ومن يسرّب مواعيد اللجان؟ وأين تقف حدود مسؤولية السلطات المحلية والولائية في هذا الملف؟
ما يجري في كلميمة يتجاوز مجرد خرق إداري، ليصل إلى مستوى إفراغ القوانين من محتواها، حين يصبح النفوذ – الحقيقي أو المفترض – أقوى من قرارات الإفراغ، وأقوى من حاجة المواطنين إلى خدمات صحية أساسية.
إن استمرار هذا الوضع يضرب في العمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل من الملك العمومي مجالاً مفتوحاً للتجاوزات، في انتظار تدخل حاسم يعيد الأمور إلى نصابها، ويؤكد أن المرافق العمومية ليست ملكاً خاصاً، بل حق جماعي لا يقبل التفويت ولا الاحتلال.
تعليقات الزوار