اجتماع عاصف يهز وزارة التعليم: هل انهار وهم التطابق في مشروع مدارس الريادة؟

هبة زووم – محمد خطاري
لم يكن الاجتماع الذي ترأسه وزير التربية الوطنية هذا الأسبوع مجرد محطة تقييم عادية، بل أشبه بجرس إنذار مدوٍ داخل منظومة تعليمية ظلت لسنوات تُسوّق نجاحاتها بلغة الأرقام، قبل أن تكشف الوقائع الميدانية هشاشة هذا الخطاب.
ما طفا إلى السطح من اختلالات في تقييم المرحلة الثالثة من مشروع “مدارس الريادة” لا يمكن اعتباره مجرد تعثر تقني، بل هو مؤشر خطير على أزمة أعمق تتعلق بصدقية المعطيات، ونزاهة التقارير، وطبيعة الحكامة داخل القطاع.
التقارير الرسمية التي يفترض أن تعكس واقع المؤسسات التعليمية بدقة، تحولت – وفق ما كشفه الاجتماع – إلى واجهة رقمية منمّقة، لا علاقة لها بما يجري فعلياً داخل الفصول الدراسية.
الفجوة بين “المصرّح به” و”المعاش” لم تعد مجرد فرق بسيط في التقدير، بل أصبحت هوّة حقيقية تطرح سؤال الثقة: هل نحن أمام إصلاح فعلي، أم مجرد سردية إدارية تُنتج مؤشرات للاستهلاك السياسي؟
حدة الانتقادات التي وجّهها الوزير للمسؤولين الترابيين تعكس حجم القلق داخل الوزارة نفسها، فحين تتحول التقارير إلى أدوات لتجميل الواقع بدل تشخيصه، يصبح القرار العمومي مبنياً على معطيات مضللة، وهو ما يعني ببساطة أن السياسات التعليمية تُصاغ على أساس وهمي، بعيداً عن التحديات الحقيقية التي تعيشها المدرسة العمومية.
الأخطر في هذه القضية ليس فقط وجود اختلالات، بل استمرار ثقافة “الرقم التجميل” التي تُفضل إرضاء المركز على نقل الحقيقة، فهذه الثقافة، التي ترسخت عبر سنوات من التدبير البيروقراطي، تجعل من المسؤول المحلي في موقع الباحث عن “نتيجة مرضية” بدل باحث عن حل واقعي. والنتيجة: مشاريع تُعلن نجاحها على الورق، بينما تتعثر في الميدان.
مشروع “مدارس الريادة”، الذي قُدم كأحد أعمدة إصلاح المنظومة التعليمية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي. ليس اختبار التمويل أو الموارد، بل اختبار المصداقية، لأن أي إصلاح لا يقوم على تشخيص دقيق، ولا يُبنى على معطيات صادقة، محكوم عليه بالفشل مهما كانت نواياه.
ما حدث خلال هذا الاجتماع يكشف أيضاً عن خلل بنيوي في آليات التتبع والتقييم، فكيف يمكن أن تمر هذه الفجوات الكبيرة دون أن تُرصد في وقتها؟ وأين كانت أدوات المراقبة القبلية والمرحلية؟ أم أن الأمر يتعلق بتراكم صمت إداري اختار تجاهل الواقع إلى أن انفجر دفعة واحدة؟
الإجراءات التصحيحية التي تم التلويح بها قد تشكل بداية لتدارك الوضع، لكنها لن تكون كافية إذا لم تُرافق بقطع جذري مع منطق “التقارير التجميلية”، والمطلوب اليوم ليس فقط تحسين آليات التتبع، بل إعادة بناء ثقافة التدبير برمتها، على أساس الصدق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وربط النتائج بالواقع لا بالأرقام.
في النهاية، ما كشفه تقييم “مدارس الريادة” ليس أزمة مشروع بعينه، بل أزمة منهج، أزمة نظام يُفضل أحياناً سماع ما يريده على مواجهة ما يجب أن يسمعه.
وبين لغة الإنجاز المعلن وحقيقة التعثر الميداني، تبقى المدرسة العمومية هي الخاسر الأكبر، ومعها جيل كامل ينتظر إصلاحاً حقيقياً، لا مجرد أرقام تُروى في التقارير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد