صراعات المصالح تُعرّي المستور داخل مجلس المدينة وتكشف الوجه الخفي لتدبير البيضاء

هبة زووم – أحمد الفيلالي
يبدو أن دورة ماي العادية، المنعقدة يوم أمس الخمس، لمجلس الدار البيضاء لم تكن مجرد محطة إدارية عادية لمناقشة نقاط جدول الأعمال، بل تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة، أعادت إلى الأذهان المثل الشعبي الشهير: “إذا تخاصم اللصّان ظهر المسروق”.
مثلٌ قديم، لكنه يجد في بعض المجالس المنتخبة امتداداً حياً يعكس طبيعة التحالفات الهشة والصراعات الخفية التي تتحكم في تدبير الشأن المحلي.
ما جرى داخل المجلس خلال هذه الدورة كشف، ولو بشكل جزئي، حجم التوترات التي تعيشها مكونات الأغلبية والتحالفات التي ظلت لسنوات تُقدَّم للرأي العام على أنها منسجمة ومتماسكة.
لكن بمجرد اهتزاز المصالح وتضارب الحسابات، بدأت الملفات تظهر إلى السطح، وخرجت إلى العلن معطيات واتهامات وتلميحات كانت إلى وقت قريب تُدار في الكواليس بعيداً عن أعين المواطنين.
المثل الشعبي هنا لا يُستحضر فقط بوصفه حكمة تراثية، بل كتشخيص دقيق لطبيعة العلاقة التي تحكم أحياناً بعض الفاعلين داخل المؤسسات المنتخبة.
فعندما تتقاطع المصالح، يسود الصمت وتُدفن الملفات تحت غطاء “التوافق” و”الانسجام”، لكن حين تتصدع التحالفات، يتحول الحلفاء إلى خصوم، وتبدأ عملية كشف متبادل لما كان مخفياً.
وهذا بالضبط ما بدا واضحاً خلال دورة ماي، حيث ظهرت إلى السطح لغة الاتهامات والتلميحات المرتبطة بالتدبير والتحكم والقرارات التي كانت تمر في صمت.
فجأة، أصبح بعض المنتخبين يتحدثون عن اختلالات كانوا جزءاً من تمريرها أو السكوت عنها، وكأن الحقيقة لا تظهر إلا عندما تتضرر المصالح الشخصية والسياسية.
المثير أن هذه الصراعات لا تكشف الحقيقة كاملة، بل فقط الجزء الذي يخدم أطراف النزاع، فكل طرف يحاول استعمال ما يملكه من “أسرار” كورقة ضغط ضد الآخر، بينما يبقى المواطن في النهاية أمام مشهد ضبابي، يسمع الكثير من الاتهامات لكنه نادراً ما يرى محاسبة حقيقية أو كشفاً كاملاً للوقائع.
وفي مدينة بحجم الدار البيضاء، التي تعيش على وقع تحديات تنموية واجتماعية معقدة، يصبح هذا النوع من الصراعات أكثر خطورة، لأن المدينة لا تحتاج إلى تحالفات ظرفية قائمة على المصالح، بل إلى تدبير شفاف ورؤية واضحة ومؤسسات تشتغل بمنطق المسؤولية لا بمنطق تصفية الحسابات.
كما أن ما وقع خلال دورة ماي يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة العمل السياسي داخل المجالس المنتخبة: هل الهدف هو خدمة المدينة وساكنتها، أم التحكم في مراكز النفوذ وتقاسم المصالح؟ ولماذا لا تظهر “الحقائق” إلا عندما تنفجر الخلافات بين الحلفاء؟
الواقع أن هذه الدورات أصبحت، في كثير من الأحيان، مرآة تعكس هشاشة التحالفات السياسية التي تُبنى على التوازنات المؤقتة أكثر مما تُبنى على برامج ومبادئ واضحة، لذلك، ما إن تهتز المصالح حتى ينهار التماسك الظاهري، وتطفو الملفات التي كانت مدفونة تحت لغة المجاملة والتوافق.
وفي النهاية، فإن الحكمة الشعبية التي تقول “إذا تخاصم اللصّان ظهر المسروق” تختزل جانباً كبيراً مما يحدث أحياناً داخل بعض المؤسسات المنتخبة.
لكنها تذكرنا أيضاً بحقيقة أخرى أكثر إزعاجاً: أن ما يظهر للرأي العام ليس دائماً كل الحقيقة، بل فقط الجزء الذي سمحت به لحظة الصراع، بينما تبقى ملفات أخرى كثيرة حبيسة الكواليس في انتظار خصومة جديدة تكشف جزءاً آخر من المستور.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد