هبة زووم – الرباط
عاد الباحث في الشؤون التربوية والمدير الإقليمي السابق أحمد كيكيش إلى توجيه انتقادات لاذعة لتدبير وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، من خلال تدوينة نارية وصف فيها واقع الإدارة المركزية بـ”السريالي”، معتبراً أن القطاع يعيش واحدة من أخطر مراحل الارتباك الإداري والمؤسساتي.
كيكيش، المعروف بخطابه النقدي الحاد تجاه اختلالات المنظومة التربوية، لم يكتف هذه المرة بتوصيف عام للأزمة، بل وجه اتهامات مباشرة للكاتب العام للوزارة ومن سماهم بـ”زمرته”، محملاً إياهم مسؤولية ما اعتبره حالة من التسيب الإداري وغياب التنسيق والارتجال في تدبير الشأن المركزي.
وتأتي هذه الخرجة في سياق يتسم أصلاً بحالة احتقان متزايدة داخل القطاع، سواء بسبب ملفات الترقية والتعيينات أو بفعل التذمر الواسع وسط الأطر التربوية والإدارية من أوضاعهم المهنية والمادية، وهو ما يجعل أي حديث عن إصلاح التعليم يبدو، بالنسبة لكثيرين، مجرد شعارات تصطدم بواقع إداري مرتبك ومتناقض.
اللافت في تدوينة كيكيش أنه انتقل من النقد السياسي والإداري العام إلى اتهامات تقنية دقيقة تتعلق بطريقة تدبير المراسلات الرسمية داخل الوزارة، مشيراً إلى وجود وثائق صادرة في اليوم نفسه بأرقام ومراجع مختلفة، قبل تعديلها لاحقاً بمرجع آخر “لا صلة له بالموضوع”، على حد تعبيره.
وبلغة شديدة القسوة، اعتبر المسؤول التربوي السابق أن الأمر لا يتعلق بخطأ إداري بسيط، بل بمؤشر خطير على “وفاة الحس الإداري المركزي”، متهماً الإدارة الحالية بتعويض منطق الحكامة بمنطق “المناورة من أجل البقاء في المنصب”.
كما وصف كيكيش إصدار مراسلات متضاربة في هذا التوقيت بـ”الكارثة الإدارية من الدرجة الأولى”، معتبراً أن من يقودون الإدارة المركزية يفتقدون للكفاءة والخبرة اللازمتين لتدبير أكبر قطاع وزاري بالمملكة، وأن الوصول إلى بعض المناصب تم ـ حسب تعبيره ـ عبر “المناورة لا الاستحقاق”.
الأخطر في التدوينة هو الحديث عن “التلاعب” في أرقام ومراجع الوثائق الإدارية، وهي اتهامات ثقيلة تضع الوزارة أمام تساؤلات حقيقية مرتبطة بسلامة المساطر الإدارية واحترام قواعد الضبط والتوثيق، خصوصاً أن الوثائق الرسمية تشكل العمود الفقري للإدارة العمومية وأساس مصداقيتها القانونية والمؤسساتية.
ويرى متابعون أن هذه الانتقادات تعكس جانباً من الأزمة البنيوية التي يعيشها قطاع التعليم، حيث أصبحت الإدارة المركزية نفسها محل تشكيك من طرف مسؤولين وخبراء سابقين، في وقت يفترض أن تكون فيه قاطرة للإصلاح وضمان الانسجام المؤسساتي.
كما تطرح هذه الخرجة مجدداً إشكالية الحكامة داخل الوزارة، التي تواجه منذ سنوات اتهامات متكررة بالتخبط في اتخاذ القرارات، وضعف التنسيق بين المركز والأكاديميات الجهوية، فضلاً عن تضخم البيروقراطية وغياب رؤية واضحة لتدبير الموارد البشرية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الحديث عن “إصلاح المدرسة العمومية” و”تنزيل خارطة الطريق”، تبدو أصوات من داخل المنظومة نفسها وكأنها تدق ناقوس الخطر بشأن ما تصفه بانهيار تدريجي لمنطق التدبير الإداري السليم.
ويبقى السؤال الذي تفرضه تدوينة كيكيش بقوة: كيف يمكن لمنظومة تعليمية تعاني أصلاً من أزمات بنيوية عميقة أن تنجح في الإصلاح، إذا كانت الإدارة المركزية نفسها متهمة بالفوضى والارتجال وضعف الحكامة؟
إنها أسئلة محرجة تعيد فتح النقاش حول من يدبر فعلاً قطاع التعليم، وبأي منطق تُتخذ القرارات داخل وزارة يفترض أنها تقود مستقبل أجيال كاملة، لا أن تغرق في دوامة “المراسلات السريالية” وصراعات المناصب.
تعليقات الزوار