الصويرة.. “الرقية الشرعية” تتحول إلى تجارة مزدهرة وسط أسئلة عن المراقبة

هبة زووم – الصويرة
لم تعد ظاهرة انتشار بعض محلات وممارسات الرقية الشرعية بمدينة الصويرة مجرد موضوع عابر تتداوله الأسر في جلساتها الخاصة، بل أصبحت تطرح أسئلة جدية حول الحدود الفاصلة بين ممارسة دينية يلجأ إليها البعض طلباً للطمأنينة، وبين نشاط تجاري قد تتحول فيه معاناة الناس ومخاوفهم إلى مصدر دخل مفتوح على كل الاحتمالات.
فلا أحد يناقش حق الأشخاص في اللجوء إلى ما يؤمنون به من وسائل مشروعة للدعاء والقراءة والرقية، ولا يمكن وضع جميع الممارسين في سلة واحدة، غير أن ما يثير علامات الاستفهام هو ظهور ممارسات، بحسب ما يتم تداوله وشهادات متضررين أو متابعين، تستدعي التحقق والمراقبة، خصوصاً عندما تصبح الرقية نشاطاً منظماً يدر مبالغ مالية كبيرة دون وضوح كاف حول الإطار الذي تمارس داخله هذه الأنشطة.
وتتحدث معطيات متداولة عن أن بعض الجلسات قد تصل تكلفتها إلى ألف درهم أو أكثر، مع اختلاف الأسعار بحسب طبيعة الخدمة المقدمة ومدتها، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام ممارسة دينية تطوعية، أم أمام سوق خدمات بمقابل مالي مرتفع؟
الأمر لا يتعلق بمنع أي شخص من ممارسة نشاط مشروع أو الحصول على مقابل لخدمة يقدمها في إطار قانوني واضح، وإنما يتعلق بحق المواطن في معرفة طبيعة الخدمة التي يحصل عليها، وكلفتها الحقيقية، والإطار القانوني والجبائي الذي يحكم هذا النشاط.
فالمريض أو الشخص الذي يعيش حالة من الخوف والقلق ليس دائماً في وضع يسمح له بالتفاوض أو الاعتراض. وقد يصبح مستعداً لدفع أي مبلغ مقابل وعد بالخلاص من مرض أو مشكلة يعتقد أنها مرتبطة بالسحر أو العين أو المس، وهنا تكمن الخطورة.
الأكثر إثارة للقلق هو احتمال تحول بعض الحالات الهشة إلى مصدر دخل مستمر. فبدل أن تكون جلسة أو أكثر محدودة، قد يجد الشخص نفسه، بحسب بعض الشهادات المتداولة، أمام سلسلة طويلة من المواعيد، وكل جلسة تحمل معها تكلفة جديدة.
ويبدأ الأمر بتشخيص غير طبي لحالة الشخص، ثم تتوسع قائمة “العلاجات” و“الجلسات” و“القراءات”، ليصبح المواطن مقتنعاً بأنه لا يستطيع التوقف، وأن أي انقطاع قد يؤدي إلى عودة المشكلة أو تفاقمها.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين الممارسة الدينية المشروعة وبين أي ممارسة قد تنطوي على استغلال للضعف النفسي أو الادعاء بامتلاك قدرات علاجية غير مثبتة، أو إقناع أشخاص بالتخلي عن العلاج الطبي اللازم، فالرقية، في مفهومها الديني، شيء، وتحويل الخوف والمعاناة إلى مشروع تجاري مفتوح شيء آخر تماماً.
وتطرح المعطيات المتداولة حول التعامل مع بعض أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج أو الأجانب أسئلة إضافية، خصوصاً عندما يتم الحديث عن أداء المقابل المالي بعملات أجنبية.
وإذا كانت هذه الأنشطة تحقق مداخيل مهمة، فمن حق الرأي العام أن يتساءل، دون توجيه اتهامات مسبقة إلى أي جهة أو شخص: هل تخضع هذه الأنشطة للتصريح والمراقبة وفق ما تقتضيه القوانين؟ وهل يتم التصريح بالمداخيل وأداء الالتزامات الجبائية المستحقة، إذا كانت طبيعة النشاط تخضع لذلك؟
كما يظل السؤال مطروحاً حول طبيعة التدفقات المالية وحجمها، ودور الجهات المختصة في مراقبة أي نشاط اقتصادي أو مهني عندما تتوفر الشروط القانونية التي تستوجب ذلك.
فالقانون لا ينبغي أن يكون صارماً مع صاحب محل صغير يبيع سلعة عادية، ومتساهلاً، في المقابل، مع أنشطة قد تحقق مداخيل كبيرة دون وضوح كافٍ حول وضعيتها.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، اعتبار امتلاك سيارة أو عقار دليلاً على وجود مخالفة. فالثروة في حد ذاتها ليست جريمة، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام.
لكن الانتقال السريع، في بعض الحالات التي يتداولها الرأي العام، من ممارسة محدودة إلى مظاهر امتلاك عقارات وسيارات ومشاريع مختلفة، يطرح أسئلة حول مصادر هذه المداخيل وطبيعة النشاط، وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتخمين أو الإشاعة، بل بالمراقبة القانونية والمؤسساتية إن اقتضت المعطيات ذلك، فمن يراقب؟ ومن يتحقق؟ ومن يميز بين الممارسة الدينية وبين النشاط التجاري؟
المسؤولية هنا ليست دينية فقط، بل إدارية وقانونية وصحية ومالية أيضاً، كل في حدود اختصاصه، فالجهات المختصة مطالبة، عند وجود شكايات أو معطيات جدية، بالتحقق مما إذا كانت بعض الأنشطة تمارس في إطار قانوني، وما إذا كانت هناك خدمات قد تدخل في مجال العلاج أو الاستشارة الصحية دون توفر الشروط المطلوبة.
كما أن حماية المواطنين من الاستغلال النفسي والمالي يجب أن تكون أولوية، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون حالات هشاشة ويبحثون عن أي باب للأمل.
إن المطلوب ليس شن حرب على الرقية الشرعية، ولا المس بالمعتقدات الدينية للمواطنين، بل وضع حد واضح بين الإيمان والدجل، وبين العلاج الروحي والاستغلال التجاري، وبين حق الناس في ممارسة معتقداتهم وحقهم أيضاً في الحماية من كل من يحول خوفهم ومعاناتهم إلى صندوق للربح.
لقد أصبح ضرورياً أن تتحرك الجهات المختصة، كل حسب صلاحياته، ليس لإطلاق الأحكام المسبقة أو اتهام الجميع، وإنما من أجل فرض الوضوح.
هل هذه الأنشطة قانونية؟ هل تخضع للمراقبة؟ هل يتم التصريح بالمداخيل عندما يكون ذلك واجباً؟ وهل توجد آليات لحماية الأشخاص الذين قد يكونون عرضة للاستغلال؟
أسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة، بل إلى مراقبة حقيقية وشفافة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول معاناة إنسان يبحث عن العلاج والطمأنينة إلى سوق مفتوحة، يصبح فيها الألم رأس المال، والخوف وسيلة للتسويق، والمريض زبوناً دائماً لا تنتهي فاتورته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد