هبة زووم – الرباط
لم تمر تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة مرور الكرام لدى الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، الذي وجد فيها مناسبة لإعادة فتح ملف أعمق من مجرد أزمة هجرة عابرة، يتعلق بنظرة فرنسا إلى المغرب وحدوده وتاريخه، وبالطريقة التي تتعامل بها القوى الأوروبية مع قضية سبتة ومليلية.
وخلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 شتنبر، قال ماكرون إن إسبانيا كانت “ضحية هجوم” على خلفية دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة قادمين من المغرب، متحدثاً أيضاً عن “هجمات معلوماتية” استغلت أوضاعاً اجتماعية صعبة ودَفعت عائلات وشباباً إلى المخاطرة بالعبور. كما دعا إلى التضامن الأوروبي وتعزيز حماية الحدود المشتركة للاتحاد الأوروبي.
تصريح لم يتعامل معه اليحياوي باعتباره مجرد توصيف لأزمة هجرة، بل قرأه باعتباره موقفاً سياسياً يستحق المساءلة، ففي تدوينته، يستغرب الباحث أن تصف فرنسا، على لسان رئيسها، ما جرى بأنه “هجوم على إسبانيا”، متسائلاً عن خلفيات هذا التوصيف، وعن حدود التضامن الأوروبي عندما يتعلق الأمر بأرض يعتبرها المغرب جزءاً من مجاله الترابي وتاريخياً وسياسياً يطالب باسترجاعها.
ويذهب اليحياوي إلى طرح مفارقة أخرى، حين يستحضر طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية، وما يعتبره انفتاحاً واسعاً للمغرب على فرنسا في مجالات اللغة والثقافة والاقتصاد والاستثمار، قبل أن يسأل: ماذا بقي من هذا التقارب عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل سبتة ومليلية؟ غير أن النقاش يحتاج هنا إلى التمييز بين الموقف الفرنسي من أزمة الهجرة وبين الموقف الفرنسي من السيادة على سبتة ومليلية.
فماكرون، في تصريحه، كان يتحدث عن أزمة عبور جماعي غير نظامي نحو الأراضي التي تديرها إسبانيا، ولم يقدم في التصريح المذكور مرافعة قانونية تفصيلية بشأن السيادة على المدينتين، لكن اليحياوي يقرأ استعمال عبارة «هجوم» في سياق أوسع، ويرى أنها تكشف، في نظره، عن تموضع فرنسي واضح إلى جانب الرواية الإسبانية في التعامل مع الأزمة.
واللافت أن الموقف الإسباني نفسه لم يحسم، في المقابل، مسؤولية المغرب عن تنظيم الواقعة، ففي الثالث من شتنبر، أكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن السلطات الإسبانية لم تكن، حتى ذلك التاريخ، تتوفر على أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط للحادث أو نفذه، مشيراً إلى استمرار التحقيقات في خلفيات الأزمة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: إذا كانت المسؤولية المباشرة للمغرب عن تنظيم العبور الجماعي لم تثبت وفق ما أعلنته مدريد نفسها، فهل يصح اختزال الواقعة في رواية “هجوم” قادم من المغرب؟
المعطيات الأوروبية تتحدث بالفعل عن دخول جماعي غير مسبوق؛ فقد قدر البرلمان الأوروبي عدد العابرين في أزمة 30 يوليوز بنحو 80 ألف شخص، فيما أشار إلى أن الأزمة ارتبطت أيضاً بمعلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبنقاش أوسع حول سياسة الهجرة الأوروبية وحدود الاتحاد.
لكن الأزمة الإنسانية كانت أيضاً ثقيلة الكلفة، إذ خلفت الوفيات والإصابات خلال محاولات العبور، بينما لا تزال تداعياتها السياسية والأمنية مستمرة.
بالنسبة إلى اليحياوي، فإن القضية تتجاوز هذه التفاصيل لتصل إلى سؤال أعمق: كيف تنظر فرنسا إلى المغرب عندما تتقاطع مصالحها مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي؟
ويستحضر الباحث التاريخ الاستعماري الفرنسي، ثم يربطه بمواقف باريس الحالية في إفريقيا والمحيط الهادئ، ليخلص إلى انتقاد ما يعتبره استمراراً لعقلية أوروبية تنظر إلى المجال الإفريقي من زاوية أمن الحدود الأوروبية.
أما السؤال الذي يضعه أمام أصحاب الجنسية المزدوجة، من وزراء وسفراء ومثقفين ورجال أعمال، فهو الأكثر استفزازاً في تدوينته: كيف ينظر هؤلاء إلى حدود وطنهم؟ وأين تقع سبتة ومليلية في تصورهم للانتماء الوطني؟
وهو سؤال سياسي وهوياتي يختار اليحياوي طرحه بصيغة حادة، لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الانتماء القانوني، والهوية الوطنية، والمواقف من القضايا الترابية.
غير أن اختزال مواقف جميع مزدوجي الجنسية في موقف واحد سيكون بدوره تعميماً غير دقيق؛ فامتلاك جنسية ثانية لا يعني تلقائياً تبني موقف سياسي أو قانوني محدد بشأن قضية من القضايا.
وفي قلب هذا السجال، تبقى سبتة ومليلية عقدة تاريخية وسياسية معقدة. المغرب يعتبر المدينتين والجزر المتاخمة له جزءاً من مطالبه الترابية، بينما تتعامل إسبانيا مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين تتمتعان بوضع الحكم الذاتي، وتعتبرهما جزءاً من أراضيها.
ولذلك فإن تصريح ماكرون، بالنسبة إلى اليحياوي، لم يكن مجرد جملة قيلت في مؤتمر صحافي، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال أكبر: هل تنظر أوروبا إلى سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من إشكال تاريخي بين المغرب وإسبانيا، أم باعتبارهما حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي لا تقبل النقاش؟
السؤال لا يحتاج إلى غضب فقط، بل إلى إجابات دبلوماسية وسياسية واضحة، فإذا كانت باريس تعتبر نفسها شريكاً استراتيجياً للرباط، فكيف تقرأ ملف المدينتين المحتلتين؟ وإذا كانت فرنسا حريصة على علاقاتها بالمغرب، فما موقع المطالب المغربية التاريخية في خطابها تجاه إسبانيا والاتحاد الأوروبي؟
وفي المقابل، فإن وصف ما حدث بأنه «هجوم» لا ينبغي أن يحجب السؤال الآخر المتعلق بأسباب دفع عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم لعبور الحدود، ولا أن يحول مأساة المهاجرين إلى مجرد ورقة في صراع الروايات بين الدول.
وهكذا، فإن تدوينة اليحياوي تعيد سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش، ولكن من زاوية مختلفة: ليس فقط أين يقف المغرب من أوروبا، بل أين تقف أوروبا من تاريخ المغرب؟
وإذا كان ماكرون قد اختار الحديث عن “هجوم” وعن “حدود أوروبية”، فإن السؤال المقابل الذي يفرض نفسه، وفق منطق اليحياوي، هو: أين تبدأ حدود أوروبا، وأين تنتهي جغرافيا المغرب وتاريخه في الوعي السياسي الأوروبي؟ إنها معركة روايات لا تقل أهمية عن معركة الحدود نفسها.
تعليقات الزوار