هبة زووم – حسن لعشير
لم تعد تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة المحتلة أواخر يوليوز الماضي مجرد ملف أمني عابر، بعدما بدأت السلطات الإسبانية في اتخاذ إجراءات استثنائية لاستيعاب مئات المهاجرين الذين تمكنوا من دخول المدينة، في مشهد يعيد إلى الواجهة الأسئلة الثقيلة حول أسباب الهجرة الجماعية، وحدود المقاربة الأمنية، وفشل السياسات الاجتماعية في معالجة جذور الظاهرة.
وبحسب المعطيات الرسمية المتداولة، شرعت وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية في التحضير لتهيئة أربعة مواقع مؤقتة جديدة لاستقبال نحو 1500 مهاجر ممن دخلوا سبتة خلال موجة العبور الأخيرة، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط عن مرافق الإيواء الموجودة بالمدينة.
وجاءت هذه الخطوة عقب اجتماع جمع وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة والناطقة باسم الحكومة الإسبانية، إلما سايث، برئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، حيث جرى بحث الوضع المرتبط باستقبال المهاجرين والضغط الذي أصبحت تعرفه البنيات المخصصة لهذا الغرض.
وتشمل المواقع التي يجري إعدادها، وفق المعطيات المتداولة، موقف «إمبولساميينتو» بمنطقة لوما كولمينار، ومنشآت الفروسية، والملعب السابق لثكنة الفرسان، إضافة إلى فضاء «إل غوانو».
وتكشف هذه الإجراءات حجم الضغط الذي خلفته موجة العبور الجماعي، خصوصاً أن الأمر لم يعد يتعلق بأعداد محدودة يمكن تدبيرها بالوسائل المعتادة، وإنما بمئات الأشخاص الذين يحتاجون إلى الإيواء والرعاية والتغذية والتأطير، فضلاً عن دراسة وضعياتهم القانونية.
وبينما تتحرك السلطات الإسبانية لتوسيع قدرات الاستقبال، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً على الضفة الأخرى من المتوسط: كيف وصل شباب مغاربة إلى درجة المخاطرة بحياتهم في البحر من أجل الوصول إلى مدينة لا تبعد سوى مسافة قصيرة عن بلدهم؟
وفي تطور لافت، نظم عدد من المهاجرين الموجودين في سبتة وقفة احتجاجية أمام إحدى الإدارات الأمنية، مطالبين بتسوية أوضاعهم وحقهم في اللجوء، ورفع بعض المشاركين العلم الإسباني ورددوا شعارات من قبيل «Viva España» و«عاش سانشيز»، مع التعبير عن رفضهم العودة إلى المغرب.
وهنا تحديداً تتجاوز القضية حدود الهجرة غير النظامية لتطرح سؤالاً مجتمعياً وسياسياً أكثر إيلاماً، فحين يرفع شاب مغربي العلم الإسباني بعد وصوله إلى سبتة، لا ينبغي الاكتفاء بإدانته أخلاقياً أو وطنياً، لأن السؤال الأعمق هو: ما الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن مستقبله يوجد في الضفة الأخرى؟
إن اختزال المشهد في “التنكر للوطن” قد يكون سهلاً، لكنه لا يقدم أي جواب عن البطالة، والفقر، والهشاشة، والشعور بالإقصاء، وانسداد الأفق أمام جزء من الشباب.
وأثبتت الأحداث الأخيرة أن الجدار الأمني، مهما كان مرتفعاً، لا يستطيع وحده وقف رغبة آلاف الشباب في البحث عن حياة أفضل، فالهجرة غير النظامية ليست فقط مشكلة حدود وحراسة ومراقبة، وإنما هي أيضاً نتاج لفشل اجتماعي واقتصادي في إقناع المواطن بأن مستقبله يمكن أن يصنعه داخل بلده.
وعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رعباً في نظر شاب من المستقبل الذي ينتظره في وطنه، فإن القضية تستحق أكثر من دوريات أمنية وحواجز حدودية.
تستحق مراجعة حقيقية لسياسات التشغيل، والشباب، والتعليم، والتنمية المجالية، خصوصاً في المناطق الشمالية التي ظلت لسنوات في قلب ظاهرة الهجرة نحو سبتة ومليلية وأوروبا، والمفارقة المؤلمة: إسبانيا تهيئ مواقع الاستقبال.. ونحن ماذا نهيئ لشبابنا؟
إسبانيا تتحرك اليوم لتهيئة أربعة مواقع إضافية لاستقبال نحو 1500 مهاجر، وتبحث عن أماكن لإيوائهم وتأمين الخدمات الضرورية لهم، بينما يظل السؤال في المغرب هو: ماذا أعددنا نحن لهؤلاء الشباب قبل أن يقرروا ركوب البحر؟
فلا يكفي أن نطالبهم بحب الوطن إذا لم يشعروا بأن الوطن يوفر لهم فرصة عادلة في العمل والعيش والكرامة، ولا يكفي أن نرفع شعارات محاربة الهجرة إذا بقيت أسبابها قائمة، ولا يمكن أن تتحول كل كارثة إلى حملة أمنية مؤقتة، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده بعد انطفاء الأضواء.
الهجرة الجماعية إلى سبتة ليست مجرد واقعة حدودية؛ إنها إنذار اجتماعي وسياسي ينبغي الإنصات إليه، والأخطر من ذلك أن استمرار انسداد الأفق أمام الشباب قد يجعل من مشاهد رفع أعلام أجنبية وترديد شعارات في الضفة الأخرى ظاهرة تتكرر، بدل أن تبقى حادثة استثنائية.
والمطلوب اليوم ليس فقط منع الشباب من الوصول إلى سبتة، بل إقناعهم أولاً بأن لديهم ما يستحق البقاء من أجله داخل وطنهم.
تعليقات الزوار