هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أن يضع واحداً من أكثر الملفات حساسية في صلب النقاش العمومي: من يملك الثروة في المغرب، وكيف تراكمت، وهل تملك الدولة الأدوات الكافية لمعرفة مصادرها ومراقبة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع؟
اليحياوي انطلق من رقم لافت، مفاده أن مئات الأشخاص في المغرب راكموا ثروات ضخمة تتجاوز عتبة 30 مليون دولار للفرد، متسائلاً عن طبيعة هذه الثروات ومصادرها، قبل أن يربط بينها وبين ما يعتبره مظاهر الريع والقرب من السلطة والاقتصاد غير المنتج.
غير أن الرقم الأساسي الذي يستند إليه اليحياوي يجد بالفعل سنداً في تقرير Knight Frank Wealth Report 2026؛ إذ يقدر التقرير عدد الأشخاص ذوي الثروات الصافية التي تتجاوز 30 مليون دولار في المغرب بـ432 شخصاً سنة 2026، مقابل 305 سنة 2021، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 550 شخصاً سنة 2031.
هذه الأرقام، في حد ذاتها، لا تثبت فساداً ولا إثراءً غير مشروع، لكنها تفتح سؤالاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً مشروعاً حول توزيع الثروة ومصادر تراكمها، فالثروة الكبيرة ليست جريمة، والاستثمار والنجاح الاقتصادي لا يمثلان في حد ذاتهما دليلاً على مخالفة القانون.
لكن السؤال يصبح مختلفاً عندما يتعلق الأمر بثروات ضخمة لا تكون مصادرها واضحة، أو عندما تتقاطع المصالح الخاصة مع الوظيفة العمومية، أو عندما تستفيد بعض الأنشطة الاقتصادية من امتيازات أو دعم أو صفقات عمومية في ظروف تثير شبهة تضارب المصالح، وهنا بالضبط تضع تدوينة اليحياوي يدها على مكمن حساس.
تقرير Knight Frank لا يقول إن هؤلاء الأشخاص جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، بل يقدمهم باعتبارهم أشخاصاً تتجاوز ثرواتهم الصافية 30 مليون دولار، لكن ارتفاع عدد هذه الفئة من 305 إلى 432 خلال خمس سنوات، أي بنحو 41.6 في المائة، ثم توقع بلوغه 550 خلال السنوات الخمس المقبلة، يجعل من المشروع طرح سؤال آخر: كيف تتوزع ثمار النمو الاقتصادي داخل المجتمع؟
وهل يؤدي تراكم الثروة لدى فئة محدودة إلى خلق استثمارات وفرص عمل وقيمة مضافة يستفيد منها الاقتصاد والمجتمع، أم أن جزءاً من الثروة يتغذى على اقتصاد الريع والامتيازات والاحتكارات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تأتي من التخمين أو من اتهامات عامة، وإنما من البيانات الضريبية، وسجلات الشركات، والصفقات العمومية، والتصريحات بالممتلكات، وآليات الرقابة والمنافسة.
وهنا تتحول تدوينة اليحياوي من مجرد هجوم على “الأثرياء” إلى سؤال حول قدرة المؤسسات على تتبع المال عندما يصبح المال متشابكاً مع النفوذ.
أحد أهم الفوارق التي ينبغي تثبيتها في هذا النقاش هو أن امتلاك عشرات الملايين من الدولارات لا يعني تلقائياً وجود جريمة، فالثروة يمكن أن تكون نتيجة استثمار مشروع، أو إرث، أو نشاط اقتصادي ناجح، أو استثمارات متراكمة على مدى عقود.
لكن في المقابل، لا يمكن للدولة الحديثة أن تكتفي بمعرفة حجم الثروة، من دون امتلاك أدوات فعالة للتحقق من مصدرها عندما تظهر مؤشرات تستدعي التدقيق، وهنا يصبح مفهوم الإثراء غير المشروع أكثر أهمية من مجرد تعداد الأغنياء.
اليحياوي يدعو، في تدوينته، إلى قانون يضع حداً لمن يمد يده إلى المال العام، سواء تعلق الأمر بفاعل اقتصادي خاص أو مسؤول عمومي، كما يربط ذلك بتشديد قواعد تضارب المصالح.
واللافت أن هذا الملف لا يزال مطروحاً بقوة على المستوى المؤسساتي في المغرب، فصندوق النقد الدولي دعا المغرب في تقريره لسنة 2026 إلى إحراز تقدم في الإصلاحات المتعلقة بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وحماية المبلغين والتصريح بالممتلكات، مشيراً إلى أن بعض مشاريع النصوص كانت قد استكملت وظلت في انتظار الاعتماد.
كما تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن المغرب يتوفر على إطار تنظيمي يتعلق بتضارب المصالح، لكنها تضع فجوة واضحة بين قوة القواعد من جهة وفعالية تطبيقها من جهة أخرى؛ إذ سجلت في تقييمها لسنة 2026 امتثال المغرب لـ78 في المائة من معايير تنظيم تضارب المصالح، مقابل 33 في المائة فقط على مستوى الممارسة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: وجود القانون لا يكفي إذا ظلت آليات تطبيقه محدودة أو متفرقة.
الأخطر من الثروة في حد ذاتها هو تداخل المصالح، فالمسؤول الذي يشارك في اتخاذ قرار يؤثر على شركة يملكها هو أو أحد أقاربه، أو رجل الأعمال الذي يحصل على امتيازات أو صفقات في قطاع توجد له فيه علاقات مؤثرة، لا تكمن المشكلة في امتلاكه المال، وإنما في احتمال تضارب المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة.
ولهذا فإن قانون تضارب المصالح ليس مجرد نص تقني، إنه آلية لحماية القرار العمومي من أن يتحول إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة.
وفي هذا السياق، كانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قد أشارت إلى أن قواعد تضارب المصالح في المغرب ظلت مجزأة بين نصوص مختلفة، مع وجود ثغرات في بعض الحالات المرتبطة بالعلاقات الشخصية والمصالح الخاصة.
أما اليوم، فإن النقاش يكتسب أهمية أكبر مع اقتراب تشكيل الحكومة الجديدة، خصوصاً بعدما وضعت تقارير حديثة مكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح ضمن الملفات التي ستجدها الحكومة المقبلة على طاولتها.
وإذا كان المطلوب فعلاً محاربة الإثراء غير المشروع، فإن الطريق يمر عبر بناء منظومة تجعل السؤال القانوني بسيطاً وواضحاً: ما مصدر هذه الثروة؟ وعندما يكون المصدر مشروعاً، تنتهي المسألة.
وعندما تظهر تناقضات بين الدخل المعلن والثروة المتراكمة، أو شبهات مرتبطة باستغلال النفوذ، أو تضارب المصالح، أو الاستفادة غير المشروعة من المال العام، فهنا يجب أن تبدأ آليات التحقيق والافتحاص والمساءلة، ذلك هو الفرق بين دولة تحارب النجاح الاقتصادي، ودولة تحارب الفساد واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع.
المفارقة التي تضعها تدوينة اليحياوي أمام الرأي العام أن المغرب يشهد في الوقت نفسه توسعاً في عدد أصحاب الثروات الكبرى، بينما لا تزال مؤسسات دولية تسجل الحاجة إلى استكمال وتقوية أدوات مكافحة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط: أين توجد الثروة؟ بل أصبح: كيف صنعت؟ وكيف تُستثمر؟ وهل تخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها باقي المواطنين؟ وهل تستطيع المؤسسات تتبع الأموال عندما تتقاطع الثروة مع السلطة؟
إنها أسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا تدين ثرياً لمجرد أنه ثري، بل تستهدف شيئاً أكثر جوهرية: شفافية الاقتصاد، ونزاهة القرار العمومي، وتكافؤ الفرص، وحماية المال العام.
وفي نهاية المطاف، فإن القانون الفعال لا يحتاج إلى معرفة من هو الغني ومن هو الفقير، وإنما يحتاج إلى معرفة من استفاد، وكيف استفاد، وهل كان ذلك وفق القانون أم خارجه.
وهنا تصبح عبارة اليحياوي عن «الثروة» مدخلاً لسؤال أكبر بكثير من عدد أصحاب الملايين: هل نحن أمام اقتصاد ينتج الثروة ويوسع دائرة المستفيدين منها، أم أمام ثروة تتراكم أسرع من قدرة المؤسسات على مراقبة مصادرها ومساراتها؟
الإجابة لا ينبغي أن تأتي من الخطابات، وإنما من التصريح بالممتلكات، والافتحاص، والصفقات العمومية الشفافة، وقواعد تضارب المصالح، والتحقيق في الإثراء غير المشروع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تعليقات الزوار