هبة زووم – الرباط
لم يكتفِ الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي بقراءة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة من زاوية الأرقام والمقاعد، بل اختار هذه المرة أن يذهب مباشرة إلى واحدة من أكثر المناطق حضوراً في الخريطة الانتخابية: البادية.
وفي تدوينة جديدة، يضع اليحياوي مفارقة يصفها بالصادمة تحت المجهر: بادية يقول إنها عانت خلال السنوات الماضية من الإهمال، واشتكت من الفيضانات والجفاف والعطش وغياب عدد من الخدمات، ثم عادت، وفق قراءته، لتمنح أصواتها لمرشحين ينتمون إلى الأحزاب التي يحملها جزء من الخطاب العام مسؤولية هذا التدبير.
وبحسب الأرقام التي أوردها اليحياوي في تدوينته، فإن 63 نائباً من أصل 97 فازوا باسم حزب الأصالة والمعاصرة قدموا من الدوائر القروية، مقابل 40 من أصل 66 بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، و36 من أصل 65 بالنسبة إلى حزب الاستقلال.
هذه الأرقام، كما يوردها الباحث، لا تقدم فقط صورة عن حضور البادية في الخريطة البرلمانية الجديدة، وإنما تفتح سؤالاً سياسياً أكبر: كيف تصوت مناطق تقول إنها عانت من سياسات معينة، ثم تمنح ثقتها، مرة أخرى، للأحزاب نفسها؟
فالنتائج الرسمية للانتخابات أظهرت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما جاء العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً. كما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المائة.
لكن اليحياوي لا يرى في الأمر مجرد مفارقة انتخابية، بل يطرح سؤالاً أكثر قسوة يتعلق بكيفية تشكل القرار الانتخابي في المناطق القروية.
فالبادية، في خطابه، ليست مجرد خزان انتخابي، بل مجال اجتماعي ظل في قلب أزمات متعددة: فيضانات، جفاف، عطش، هشاشة البنيات الأساسية، صعوبة الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل، ومحدودية فرص الشغل.
ومن هنا، تبدو المفارقة التي يطرحها الباحث واضحة: إذا كانت هذه المناطق قد عانت فعلاً من اختلالات في التدبير والسياسات العمومية، فلماذا لم يتحول ذلك بالضرورة إلى تصويت عقابي ضد من يتحملون، سياسياً، مسؤولية تدبير تلك المرحلة؟ غير أن الإجابة لا يمكن اختزالها، كما يوحي اليحياوي، في “جهل” الناخب وحده.
فالاختيار الانتخابي في البادية تحكمه عوامل متعددة: العلاقات الاجتماعية، الروابط العائلية والقبلية والمحلية، الخدمات التي يقدمها المنتخبون، قوة المرشح الشخصية، الوعود الانتخابية، مستوى الثقة في الأحزاب، وأحياناً الحسابات المرتبطة بالمصالح اليومية المباشرة.
وهنا تكمن إحدى أعقد مفارقات الديمقراطية المحلية: الناخب قد يحاكم المرشح على قدرته على حل مشكلة فردية أو جماعية عاجلة، بينما يفترض في الانتخابات التشريعية أن تكون أيضاً مناسبة للحكم على السياسات العمومية والحصيلة الوطنية.
اليحياوي يذهب أبعد من ذلك، حين يضع احتمال المال الانتخابي والتأثير غير المشروع والتزوير ضمن قائمة التفسيرات الممكنة، لكنه نفسه يقول إن الأسباب قد تكون “حقيقية أو مبالغاً فيها”.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن اتهام العملية الانتخابية بالتزوير أو المال غير المشروع يحتاج إلى وقائع وأدلة محددة، ولا يمكن تحويل مجرد الشك أو التداول المحلي إلى حقيقة عامة.
لكن خلف اللغة الصادمة للتدوينة سؤال لا يمكن تجاهله: هل يعاقب الناخب السياسي على حصيلته، أم يكافئه على قدرته على تقديم خدمة محلية؟
الفرق بين السؤالين هائل، فالنائب البرلماني لا ينتخب فقط لفتح طريق قروي أو التدخل لقضاء غرض إداري أو مساعدة شخص في حالة اجتماعية؛ بل ينتخب أيضاً للمساهمة في التشريع ومراقبة الحكومة والتصويت على الميزانية وتتبع السياسات العمومية.
وبالتالي، فإن تحويل الانتخابات إلى تقييم للخدمات الفردية فقط قد يجعل المواطن يفقد القدرة على ربط صوته بالسياسات الكبرى التي تؤثر في حياته على مدى خمس سنوات.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة الناخب القروي بالتفكير فقط بمنطق التجريد السياسي، بينما يعيش يومياً مشكلات ملموسة تتعلق بالماء والطريق والمستوصف والمدرسة والنقل، فمن يفتقد الماء اليوم قد يكون أكثر اهتماماً بمن سيأتي بالماء من اهتمامه بخطاب البرنامج الحكومي.
والأمر ذاته ينطبق على الأحزاب، فالحزب الذي يريد الحصول على أصوات البادية لا يمكن أن يتذكرها فقط خلال الحملات الانتخابية، ثم يختفي عنها طوال الولاية. كما أن المواطن، في المقابل، يظل مطالباً بطرح سؤال الحصيلة: ماذا تحقق؟ من نفذ الوعود؟ وما الذي تغير فعلاً في حياته؟
أما الاستشهاد المنسوب إلى برنارد شو، فقد استخدمه اليحياوي لتقديم خلاصة فكرته حول العلاقة بين الديمقراطية والوعي. وشو بالفعل كتب انتقادات لاذعة حول مخاطر الديمقراطية حين تتحول إلى مجرد انعكاس لجهل الناخبين أو شعبوية السياسيين؛ ومن أشهر ما هو موثق عنه أن الديمقراطية قد تستبدل، في صياغته الساخرة، انتخاب «غير الأكفاء» بتعيين «الفاسدين».
وهنا يصبح السؤال موجهاً أيضاً إلى الأحزاب التي تصدرت الانتخابات: ماذا ستفعل تجاه البادية التي منحتها جزءاً مهماً من مقاعدها؟ هل ستظل البادية مجرد أرقام انتخابية تظهر في موسم الانتخابات، أم ستتحول إلى أولوية حقيقية في السياسات العمومية؟ وهل ستُقاس الولاية المقبلة بعدد النواب القادمين من العالم القروي، أم بما ستعرفه القرى من تحسن في التعليم والصحة والماء والطرق وفرص الشغل؟
فالانتخابات انتهت، والمقاعد توزعت، والبرلمان الجديد تشكل. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن، إذا كانت الأحزاب قد حصلت على أصوات البادية، فإن عليها أن تعيد إلى البادية شيئاً أكبر من الشعارات، وإذا كان الناخب قد منحها ثقته، فإن من حقه أيضاً أن يسألها بعد خمس سنوات: ماذا فعلتم بهذه الثقة؟
أما السؤال الذي يتركه اليحياوي مفتوحاً، فهو أكثر إحراجاً للجميع: هل نحن أمام ناخب يعيد إنتاج واقعه لأنه لا يملك بديلاً، أم أمام منظومة سياسية لم تقدم له أصلاً ما يكفي من البدائل؟
تعليقات الزوار