17 نقطة تكشف كلفة التأخير بجهة الدار البيضاء – سطات: من يحاسب المشاريع التي تعود إلى طاولة المجلس؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
ليست المشكلة في أن يعقد مجلس جهة الدار البيضاء–سطات دورة عادية محملة بـ17 نقطة، ولا في أن تتوزع الملفات بين الماء والطرق والتطهير والتأهيل الحضري والتنمية القروية والميزانية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الاتفاقيات إلى ملفات تتكرر، والتعديلات إلى مسار شبه دائم، والإلغاءات إلى نقاط جديدة في جدول الأعمال، بينما يبقى السؤال الذي يهم المواطن مؤجلاً: متى تنتقل المشاريع من الورق إلى الأرض؟
دورة أكتوبر، المقررة يوم 5 أكتوبر 2026، تضع أمام المجلس حزمة من الملفات التي يفترض أن تشكل جزءاً من صلب التنمية الجهوية، لكنها تحمل في الوقت نفسه مؤشرات تستحق القراءة النقدية، خصوصاً أن جدول الأعمال لا يقتصر على إطلاق مشاريع جديدة، بل يتضمن أيضاً تعديل وإلغاء اتفاقيات سبق أن كانت موضوع قرارات للمجلس.
وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال المردودية: هل تقاس فعالية التدبير الجهوي بعدد الاتفاقيات والملاحق التي تمر من المجلس، أم بسرعة الإنجاز وجودة النتائج؟
الماء الصالح للشرب، التطهير السائل، إعادة استعمال المياه العادمة، تأهيل المدن، الطرق، التنمية القروية، والبيئة… كلها عناوين لا يمكن لأحد أن يجادل في أهميتها.
لكن المواطن لا يعيش داخل جدول الأعمال، المواطن يريد الماء في الشبكة، والطريق في حالة جيدة، والتطهير المنجز، والحي المؤهل، والمشروع الذي طال انتظاره وقد خرج فعلاً من مرحلة الدراسة والاتفاقية والملحق التعديلي إلى مرحلة الإنجاز.
ولهذا فإن تقديم هذه المشاريع باعتبارها إنجازات قبل إنجازها فعلياً يظل، من منظور الحكامة، أمراً يحتاج إلى الحذر، فالإنجاز ليس توقيع اتفاقية، وليس المصادقة على ملحق، وليس إدراج نقطة في دورة، الإنجاز هو أن يرى المواطن المشروع قائماً ويستفيد منه.
أكثر النقاط التي تستحق مساءلة جدية هي تلك المتعلقة بإلغاء اتفاقية الشراكة الخاصة ببناء طريق التهيئة AC119 بعمالة مقاطعة عين الشق، وهي الاتفاقية التي شاركت فيها عدة مؤسسات، من بينها ولاية الجهة، ومجلس الجهة، وعمالة مقاطعة عين الشق، ومجلس عمالة الدار البيضاء، وجماعة الدار البيضاء، والمكتب الوطني للسكك الحديدية وشركة التنمية المحلية «الدار البيضاء للتهيئة».
هنا لا يكفي أن يقال للمواطن إن الاتفاقية ستُلغى، السؤال الأهم هو: لماذا؟ ما الذي تغير منذ اعتمادها؟ هل ظهرت إكراهات تقنية؟ هل تعثرت الترتيبات المالية؟ هل وقع خلاف بين المتدخلين؟ هل تغيرت الأولويات؟ وهل توجد صيغة بديلة للمشروع؟ والأهم: من سيشرح للرأي العام لماذا لم تنتقل الاتفاقية السابقة إلى مشروع منجز؟
الإلغاء لا يعني بالضرورة وجود خطأ أو اختلال، فقد تكون له أسباب تقنية أو مالية أو قانونية مشروعة. لكن إلغاء مشروع سبق أن حصل على موافقة المؤسسات يفرض، من باب الشفافية، تقديم تفسير واضح ومحدد، وليس الاكتفاء بعبارة «الدراسة والمصادقة على مشروع الإلغاء».
الأمر نفسه يطرح نفسه في النقطة المتعلقة بإلغاء ملحق اتفاقية مرتبطة بإنجاز الدراسات والأشغال الخاصة بتثليث الطريق الوطنية رقم 1 بإقليم النواصر، إلى جانب انتداب الشركة الجهوية متعددة الخدمات لإنجاز أشغال الإنارة العمومية بالمقطع المعني.
مرة أخرى، لا ينبغي تحويل الإلغاء تلقائياً إلى اتهام، لكن المواطن من حقه أن يعرف ماذا تغير؟ وإذا كان المشروع لا يزال قائماً، فما هي الصيغة الجديدة؟ وإذا كانت هناك إعادة توزيع للأدوار بين المتدخلين، فما هي آجال التنفيذ الجديدة؟ أما إذا كان الإلغاء سيؤدي عملياً إلى تأخير المشروع، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: من يتحمل كلفة هذا التأخير؟
المثير في جدول الأعمال أن عدداً من الملفات لا يأتي في صيغته الأولى، بل يعود من خلال ملاحق وتعديلات، مشروع الماء، شارع جبران خليل جبران بالجديدة، برنامج التأهيل الحضري للدروة، مشروع التطهير السائل وإعادة استعمال المياه العادمة، تهيئة بحيرة الألفة، وبرنامج التنمية المندمجة للمركز الصاعد أولاد سعيد، كلها تتضمن تعديلات أو ملاحق لاتفاقيات قائمة.
وهنا لا بد من طرح سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التمويل: لماذا تحتاج هذه المشاريع إلى كل هذا التعديل؟ هل يتعلق الأمر بتحيين طبيعي للاتفاقيات؟ أم بتغيير في الكلفة؟ أم بتمديد الآجال؟ أم بتغيير المتدخلين؟ أم بتعثر في التنفيذ؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد إن كانت الملاحق مجرد آلية تقنية عادية، أم مؤشراً على أن التخطيط الأولي للمشاريع لم يكن بالقدر الكافي من الدقة.
وفي وسط هذا السيل من المشاريع والاتفاقيات والتعديلات والإلغاءات، ينتقل المجلس إلى دراسة ميزانية سنة 2027 وبرمجة الفائض التقديري.
وهنا تكمن المفارقة، فقبل أن يطلب المجلس من المواطنين النظر إلى برمجة 2027، سيكون من المشروع أن ينظر هو أولاً إلى حصيلة ما سبق أن برمجه، كم مشروعاً دخل الخدمة؟ كم مشروعاً ما يزال في طور الدراسات؟ كم اتفاقية تم تعديلها؟ كم اتفاقية تم إلغاؤها؟ وكم من الاعتمادات بقي دون استهلاك أو أعيدت برمجته؟
فالميزانية الجهوية ليست مجرد أرقام في وثيقة مالية، وإنما هي اختبار سياسي وإداري لمدى قدرة المؤسسة على تحويل الموارد إلى نتائج، وإذا كانت الجهة ستبرمج فائضاً جديداً، فإن السؤال الطبيعي هو: ما الذي لم يُنجز بعد من البرمجة السابقة؟
وتعود قضية الماء بقوة إلى جدول الأعمال، سواء من خلال مشاريع الربط بالشبكة أو تزويد جماعات بإقليم سطات بالماء الصالح للشرب، وهذه من الملفات التي ينبغي ألا تُقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل بعدد المستفيدين، ونسب الإنجاز، والآجال، والاستمرارية.
فالجهوية المتقدمة تفقد جزءاً من معناها إذا ظلت مناطق تعاني من صعوبات في الولوج إلى الخدمات الأساسية بينما تستمر المؤسسات في إنتاج الاتفاقيات والملاحق، فالمطلوب ليس فقط أن تقول الجهة إنها برمجت الماء، بل أن تجيب عن سؤال: متى يصل الماء؟
أما تخصيص الجلسة الثانية للإجابة عن الأسئلة الكتابية، فيمنح المعارضة وباقي أعضاء المجلس فرصة حقيقية لانتزاع أجوبة حول الملفات التي قد لا تظهر تفاصيلها في لغة الاتفاقيات والمقررات.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي هو طبيعة الأجوبة، هل ستكون أجوبة بالأرقام؟ هل ستكشف نسب تقدم المشاريع؟ هل ستحدد المسؤوليات والآجال؟ هل ستقدم أسباب التأخر؟ أم ستكتفي بإعادة صياغة ما هو موجود أصلاً في الوثائق الرسمية؟
فالرقابة لا تكون بمجرد طرح السؤال، كما أن الجواب لا يكون بمجرد قراءته أمام المجلس، الرقابة الحقيقية هي أن يؤدي السؤال إلى توضيح، والتوضيح إلى قرار، والقرار إلى نتيجة.
وفي الأخير، يمكن القول على أن دورة أكتوبر تحمل عناوين كبيرة، ولا أحد يمكنه التقليل من أهمية الماء والتطهير والطرق والتأهيل الحضري والتنمية القروية، لكن كثافة العناوين لا تعني بالضرورة كثافة الإنجازات.
وهنا تحديداً توجد المعضلة التي ينبغي أن تضعها الجهة أمام نفسها: هل نحن أمام مؤسسة تنتج المشاريع، أم مؤسسة تنجز المشاريع؟ الفرق بين الأمرين كبير، إنتاج الاتفاقية سهل نسبياً، تعديلها ممكن، إضافة ملحق إليها ممكن، إلغاؤها ممكن، أما إنجاز المشروع، واحترام كلفته وآجاله، وضمان جودته واستدامته، فهو الاختبار الأصعب.
ولهذا فإن دورة أكتوبر ينبغي ألا تنتهي فقط بمحاضر المصادقة، بل أن تفتح الباب أمام كشف حصيلة واضح يجيب المواطن عن الأسئلة التي تهمه مباشرة: ماذا أنجزتم؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ كم كلف؟ ومتى سينتهي؟
فالمواطن في جهة الدار البيضاء–سطات لا يحتاج إلى 17 نقطة جديدة بقدر حاجته إلى أن يعرف ماذا حدث في النقاط التي صودق عليها بالأمس، وهنا تبدأ فعلاً محاسبة المردودية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد