طنجة.. خمس دعاوى ضد مواطنين تنتهي بعدم القبول وتعيد “صوماجيك باركينغ” إلى مربع الأسئلة القانونية

هبة زووم – طنجة
لم يعد ملف مواقف السيارات بمدينة طنجة مجرد خلاف يومي بين سائق يبحث عن مكان لركن سيارته وشركة تتولى تدبير مرفق للركن المؤدى عنه. القضية تتجه، مرة أخرى، نحو واجهة القضاء، وهذه المرة من بوابة دعاوى مدنية رفعتها شركة «صوماجيك باركينغ» ضد مواطنين، قبل أن تنتهي خمسة ملفات أمام المحكمة الابتدائية بطنجة بالتصريح بعدم قبول الدعاوى، وفق ما أوردته تقارير محلية حديثة.
وبحسب المعطيات المنشورة، طالبت الشركة في هذه الملفات بمبالغ وتعويضات تراوحت بين 5 آلاف و20 ألف درهم، على خلفية عدم أداء واجبات مرتبطة باستغلال مواقف السيارات.
والأهم في هذه القضية ليس فقط حجم المبالغ المطالب بها، وإنما السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تُبنى المطالبات المالية الموجهة إلى المواطنين؟ وما هو السند التعاقدي والتنظيمي والقانوني الذي يحدد طبيعتها وقيمتها ومساطر استخلاصها؟
من الضروري التمييز هنا بين أمرين، فعدم قبول خمس دعاوى مدنية لا يعني، في حد ذاته، أن القضاء حسم بعدم قانونية كل الرسوم المفروضة على الركن، كما لا يعني أن الشركة فقدت سند تدبير المرفق برمته.
بل إن القضاء سبق أن أصدر، في غشت 2025، حكماً ابتدائياً ألزم أحد مستعملي موقف مؤدى عنه بأداء 1500 درهم لفائدة “صوماجيك”، في قضية مرتبطة بعدم أداء تعريفة الركن، وفق ما نشرته مصادر إعلامية آنذاك. واستند الحكم، بحسب المصدر نفسه، إلى القرار التنظيمي الجماعي عدد 2022/1357.
وهذه المعطيات تجعل الملف أكثر تعقيداً مما قد يوحي به الاحتفاء بحكم أو مهاجمته: القضاء أصدر أحكاماً مختلفة في وقائع وملفات مختلفة، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت كل مطالبة مالية تستند إلى الأساس القانوني والإجرائي الصحيح.
أما ملف “الصابو”، فقد عرف بدوره مساراً قضائياً واضحاً، ففي سنة 2019 قضت المحكمة الإدارية بالرباط بإلغاء جزء من قرار جماعة طنجة المتعلق بالسماح بعقل السيارات وتثبيتها عند عدم أداء تعريفة الوقوف، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط الحكم في فبراير 2021.
لكن ذلك الحكم يتعلق بإجراء عقل السيارات، ولا يصح تحويله تلقائياً إلى حكم شامل بعدم قانونية كل صور استخلاص رسوم الركن أو كل علاقة تعاقدية بين الجماعة والشركة.
وهنا تكمن أهمية التفصيل القانوني: إلغاء “الصابو” شيء، وتنظيم استخلاص واجبات الركن شيء آخر، وتحديد المسؤولية عن المخالفات وآليات المطالبة بالتعويض شيء ثالث.
المفارقة أن جماعة طنجة قدمت، خلال يناير 2026، مركز القيادة والتحكم الذكي الخاص بتدبير مواقف السيارات باعتباره أداة لتتبع الاستغلال وضبط المداخيل ورقمنة تحرير المخالفات وتوثيقها، بحضور رئيس المجلس منير ليموري ونائبة الرئيس المكلفة بالسير والجولان سمية العشيري وممثلي الشركة.
كما أطلقت الجماعة تطبيقاً رقمياً لخدمات الركن في إطار تنفيذ عقد التدبير المفوض مع الشركة، وهذا يرفع سقف الانتظارات، لأن الرقمنة لا ينبغي أن تعني فقط رقمنة المطالبة بالأداء، بل أيضاً رقمنة الضمانات التي تحمي المواطن: متى سجلت المخالفة؟ أين؟ كيف تم إشعار المعني بالأمر؟ ما هي المدة الممنوحة له؟ وكيف احتُسب المبلغ المطالب به؟ وما هي آلية الاعتراض؟
وإذا كانت المحكمة قد صرحت بعدم قبول خمس دعاوى في هذه الملفات، فإن السؤال المؤسساتي الذي يستحق جواباً واضحاً هو: ما سبب عدم القبول؟ هل يتعلق الأمر بشروط إجرائية؟ أم بطريقة تقديم الطلبات؟ أم بطبيعة المبالغ المطالب بها؟ أم بوثائق الإثبات؟ أم بعنصر آخر خاص بكل ملف؟
هذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها وحدها تسمح للرأي العام بفهم ما إذا كنا أمام مجرد عثرة إجرائية في خمسة ملفات، أم أمام إشكال أوسع يستوجب مراجعة طريقة تحرير المطالبات ومتابعتها قضائياً.
هنا تنتقل المسؤولية من الشركة إلى المؤسسة التي تفوض المرفق وتراقب حسن تنفيذه، فالمجلس الجماعي لطنجة لا يمكن أن يكتفي بالتعاقد ثم يترك المواطن في مواجهة الشركة والمحاكم. وإذا كانت الجماعة قد وضعت منظومة للمراقبة والتتبع، فإن عليها أيضاً أن تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بسلامة تطبيق العقد والقرار التنظيمي.
والأمر لا يتعلق بالدفاع عن المواطن ضد الشركة، ولا بالدفاع عن الشركة ضد المواطن، المطلوب هو وضوح القواعد، كم تبلغ التعريفة؟ متى يعتبر السائق ممتنعاً عن الأداء؟ ما هي الإجراءات السابقة على اللجوء إلى القضاء؟ كيف تحتسب المبالغ التي قد تصل إلى 20 ألف درهم؟ وهل تتضمن العقود أو القرارات التنظيمية أساساً واضحاً لكل مطالبة؟
لقد انتقل ملف مواقف السيارات في طنجة خلال السنوات الماضية من معركة “الصابو” إلى الرقمنة والمراقبة الذكية، ثم إلى تطبيقات الأداء، والآن إلى منازعات قضائية حول مبالغ مالية يطالب بها المفوض له.
وهذا المسار كله يفرض على جماعة طنجة، باعتبارها الجهة المتعاقدة والمشرفة على المرفق، أن تقدم للرأي العام كشفاً واضحاً لقواعد اللعبة.
ليس المطلوب تعطيل مرفق الركن، ولا إسقاط حق الشركة في تحصيل المستحقات التي يثبت سندها، وإنما المطلوب ألا يتحول المواطن إلى الطرف الأضعف في معادلة لا يعرف تفاصيلها.
أما الأحكام الخمسة الأخيرة، فإنها لا ينبغي أن تُقرأ كحكم نهائي على المنظومة برمتها، لكنها بالتأكيد تستحق أن تكون جرس إنذار مؤسساتياً يدفع إلى فحص مساطر المطالبة بالأداء، ومدى مطابقتها للعقد والقرار التنظيمي والقواعد القضائية.
وفي مدينة كطنجة، حيث أعلنت الجماعة نفسها أن تدبير مواقف السيارات أصبح ورشاً للرقمنة وتعزيز الحكامة، فإن السؤال لم يعد فقط: هل أدى المواطن أم لم يؤد؟
بل أصبح أيضاً: هل كانت المطالبة التي وُجهت إليه مؤسسة على أساس قانوني وإجرائي واضح؟ ومن يتحمل مسؤولية ضمان ذلك قبل أن يصل المواطن إلى باب المحكمة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد