هبة زووم – إلياس الراشدي
لم تعد أزمات تدبير مدينة طنجة محصورة في الاختلالات التي تظهر للعيان، فهناك مشكلات أكثر خطورة تتسلل بصمت إلى حياة السكان، وتقتحم بيوتهم عبر نوافذها، وتفرض نفسها على أنفاسهم، دون أن يجدوا تفسيراً واضحاً لمصدرها أو جواباً مقنعاً عن الجهة المسؤولة عن مراقبتها والتصدي لها.
فخلال الفترة الأخيرة، تتزايد شكاوى عدد من سكان أحياء بطنجة بشأن انتشار روائح كريهة وخانقة، خصوصاً خلال ساعات الليل، حيث تتفاوت حدتها بحسب الفترات واتجاه الرياح، في مشهد يثير مخاوف حقيقية بشأن جودة الهواء الذي يتنفسه المواطنون، ويعيد إلى الواجهة سؤال المراقبة البيئية وفعالية تدخل المؤسسات المعنية.
إن القضية لم تعد مجرد انزعاج من رائحة عابرة، أو شكاوى يمكن اختزالها في تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبحت موضوعاً يستدعي التعامل معه باعتباره قضية صحة عامة وحقاً بيئياً أصيلاً. فحين يجد السكان أنفسهم مضطرين إلى إغلاق النوافذ وتفادي تهوية منازلهم بسبب روائح مجهولة المصدر، فإن الأمر يتجاوز حدود الإزعاج إلى المساس بجودة الحياة والشعور بالأمان الصحي.
وفي مواجهة هذه الشكاوى، تبرز مسؤولية السلطات الترابية والمصالح البيئية والصحية في الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق التحري الميداني، فليس مقبولاً أن تستمر معاناة السكان دون تحديد مصدر هذه الروائح، سواء تعلق الأمر بوحدات صناعية أو منشآت لمعالجة النفايات أو شبكات التطهير أو أي مصدر آخر محتمل.
وهنا يجد الوالي التازي نفسه أمام اختبار حقيقي لنجاعة التنسيق بين مختلف المصالح المختصة، ليس باعتباره المسؤول الوحيد عن كل ما يحدث داخل المدينة، ولكن باعتباره ممثلاً للسلطة الترابية المطالب بالسهر على تعبئة المؤسسات المعنية وضمان تفاعلها مع شكاوى المواطنين. فالمطلوب ليس إصدار تطمينات عامة، وإنما إطلاق تحريات تقنية وبيئية جدية، وإعلان نتائجها للرأي العام بشفافية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل توجد مراقبة منتظمة لجودة الهواء بالمناطق التي تسجل هذه الشكاوى؟ وهل جرى تحديد مصادر الانبعاثات المحتملة؟ وما الإجراءات التي اتخذت للتأكد من مدى احترام المنشآت المعنية للمعايير البيئية؟ ثم لماذا يظل المواطن، في كثير من الأحيان، الحلقة الأضعف في مواجهة مشكلات تمس صحته وحقه في العيش داخل بيئة سليمة؟
إن طنجة، بما تمثله من ثقل اقتصادي وصناعي وحضري، لا يمكن أن تقيس نجاح تدبيرها بعدد المشاريع والتجهيزات وحدها، بل أيضاً بمدى قدرة مؤسساتها على حماية سكانها من المخاطر البيئية، والتعامل مع شكاواهم باعتبارها إنذارات تستوجب التحقيق والاستجابة.
فالهواء النظيف ليس امتيازاً، والحق في بيئة سليمة ليس شعاراً للاستهلاك، بل مسؤولية مؤسساتية تقتضي المراقبة والمحاسبة والشفافية. أما ترك السكان في مواجهة روائح مجهولة المصدر، فمعناه أن تتحول معاناة يومية إلى ملف مفتوح على القلق والأسئلة، فطنجة لا تحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى كشف الحقيقة: من أين تأتي هذه الروائح، ومن يتحمل مسؤولية وقفها؟
تعليقات الزوار