هبة زووم – الرباط
كشفت وزارة الاقتصاد والمالية عن تعبئة أكثر من 167 مليار درهم عبر عمليات «التمويلات المبتكرة» خلال الفترة الممتدة من سنة 2019 إلى نهاية شتنبر 2026، في حصيلة مالية ضخمة أعادت إلى الواجهة النقاش حول تدبير الأصول العقارية للدولة، وحدود اللجوء إلى تفويتها مقابل الاستمرار في استغلالها بموجب عقود كراء طويلة الأمد.
وجاءت هذه المعطيات ضمن وثيقة تكميلية قدمتها الوزارة في إطار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، بطلب من فريق العدالة والتنمية، لتسلط الضوء على إحدى الآليات التي اعتمدتها الدولة لتعبئة موارد مالية إضافية خارج المسارات التقليدية لتمويل الميزانية.
وبحسب الوثيقة، تقوم هذه الآلية على تفويت بعض الأصول العقارية المملوكة للدولة لفائدة مستثمرين مؤسساتيين، مع مواصلة استغلالها بموجب عقود كراء طويلة الأمد، وشملت العمليات بنايات إدارية ومراكز استشفائية ومستشفيات ومحاكم ومؤسسات للتعليم العالي والتربية الوطنية، فيما ضمت الجهات المستفيدة مؤسسات من بينها صندوق الإيداع والتدبير والصندوق المغربي للتقاعد.
وتؤكد الوزارة أن هذه العمليات لا تعني التخلي عن استعمال المرافق العمومية المعنية، بل تتيح تعبئة موارد مالية توجه، وفق توضيحاتها، إلى الاستثمار العمومي وتمويل المشاريع والأوراش الاستراتيجية، دون اللجوء إلى الاقتراض المباشر، بما يساعد على تنويع مصادر التمويل والتحكم في عجز الميزانية ومستوى المديونية.
غير أن ضخامة المبلغ المعلن تطرح سؤالاً أساسياً يتجاوز حجم الموارد التي جرى تحصيلها: ما الكلفة الإجمالية لهذه العمليات على المالية العمومية على المدى الطويل؟
فتفويت الأصول العقارية مع استمرار استغلالها بعقود كراء قد يوفر للدولة سيولة مالية مهمة في مرحلة معينة، لكنه يرتب، في المقابل، التزامات مالية مستقبلية يتعين احتسابها عند تقييم الجدوى الاقتصادية للعملية، ولذلك، لا يكفي الوقوف عند المبالغ المحصلة، بل ينبغي أيضاً مقارنتها بكلفة الكراء على امتداد مدة العقود، وبالقيمة التي كان يمكن أن تحققها الأصول لو جرى الاحتفاظ بها.
ومن هذا المنطلق، فإن وصف هذه الآليات بأنها تمويلات لا تستدعي الاقتراض لا يحسم وحده النقاش بشأن كلفتها الحقيقية؛ إذ تظل الحاجة قائمة إلى تقييم شامل يأخذ بعين الاعتبار التدفقات المالية الحالية والمستقبلية، وشروط التفويت، والالتزامات المترتبة عنها.
رغم كشف وزارة الاقتصاد والمالية عن الحصيلة الإجمالية للعمليات منذ سنة 2019، فإن المعطيات الواردة في الوثيقة، وفق النص المتاح، لا تقدم تفصيلاً سنوياً للمبالغ المحصلة، ولا تحدد قيمة كل عقار جرى تفويته، أو واجبات الكراء المرتبطة به، أو الكلفة الإجمالية المتوقعة للعقود خلال السنوات المقبلة.
كما لا تتضمن لائحة مفصلة بالأصول المعنية ولا توزيعاً شاملاً للموارد بحسب العمليات والمؤسسات المستفيدة، وهي معطيات أساسية لتمكين البرلمان والرأي العام من تقييم هذه الآلية على أساس مالي واضح، بعيداً عن الاكتفاء بالأرقام الإجمالية.
وتبرز هنا أسئلة مشروعة: هل جرى تقييم الأصول العقارية قبل تفويتها وفق معايير معلنة؟ وما المدة الزمنية لعقود الكراء؟ وكيف حُددت قيمتها؟ وما حجم الالتزامات السنوية التي ستتحملها الميزانية مستقبلاً؟ وهل تتوفر الحكومة على تقييم مستقل يقارن بين العائد الفوري من التفويت والكلفة التراكمية للاستئجار؟
لا يتعلق النقاش بالطعن في مبدأ تنويع مصادر تمويل الاستثمار العمومي، بل بضمان أن تكون الآليات المعتمدة ذات جدوى مالية حقيقية، وألا تتحول الموارد المحصلة اليوم إلى أعباء طويلة الأمد لا تظهر كلفتها الكاملة عند الإعلان عن الحصيلة.
فالأصول العقارية للدولة ليست مجرد ممتلكات قابلة للتسييل، بل تشكل جزءاً من الرصيد العمومي الذي ينبغي تدبيره وفق معايير الشفافية والاستدامة وحماية المصلحة العامة.
وبينما تقدم الوزارة مبلغ 167 مليار درهم باعتباره حصيلة مهمة لتعبئة الموارد، تظل الصورة غير مكتملة ما لم تُكشف تفاصيل العمليات وشروطها وكلفة الالتزامات المرتبطة بها.
ومن هنا، فإن نشر بيانات مفصلة بشأن الأصول المفوتة، وقيمتها، وعقود كرائها، ومواعيد انتهائها، والكلفة الإجمالية المتوقعة، من شأنه أن يتيح تقييماً موضوعياً لمدى نجاح هذه الآلية في خدمة الاستثمار العمومي.
ففي تدبير المال العام، لا تقاس نجاعة التمويل بما يدخل الخزينة اليوم فقط، بل أيضاً بما ستتحمله الميزانية غداً، وبما إذا كانت الدولة قد حققت توازناً فعلياً بين تعبئة الموارد والحفاظ على ثروتها العقارية.
تعليقات الزوار