ميدلت.. الاستقواء بالزي الرسمي يضع قائد السرية أمام سؤال المسؤولية

هبة زووم – ميدلت
لا يتعلق الأمر هنا بمناقشة حق رجال الدرك الملكي في تطبيق القانون، ولا بالتشكيك في صلاحياتهم في ضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات التي يخولها لهم القانون، وإنما يتعلق بسؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أين تنتهي سلطة رجل الأمن ويبدأ حق المواطن في الكرامة؟
السؤال يفرض نفسه بقوة في أعقاب واقعة بمدينة ميدلت، أثارت، وفق ما يتم تداوله، انتقادات بشأن أسلوب تعامل أحد رجال الدرك مع مواطن أثناء عملية تدخل، وسط حديث عن عبارات وتصرفات اعتبرها متابعون مسيئة ولا تليق بمرفق يفترض أن يكون عنواناً للانضباط واحترام القانون.
ولا يعني ذلك بأي حال تعميم الواقعة على مؤسسة الدرك الملكي أو على جميع عناصرها، فالأجهزة الأمنية تضم آلاف الرجال والنساء الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة وبمسؤولية كبيرة. لكن الحالات التي يُثار حولها جدل بشأن طريقة التعامل مع المواطنين تستحق التوقف، لأن هيبة المؤسسة الأمنية لا تُبنى بالصوت المرتفع ولا بالإهانة، وإنما بالانضباط والاحتراف واحترام القانون.
فالمواطن، حتى عندما يرتكب مخالفة، يظل مواطناً له حقوقه وكرامته التي لا تسقط بمجرد ارتكابه مخالفة قانونية. وإذا كان القانون يمنح رجل الأمن صلاحية تحرير المخالفة أو حجز وسيلة النقل أو اتخاذ أي إجراء آخر، فإنه لا يمنحه، في المقابل، حق الإهانة أو السب أو التعامل مع المخالف بمنطق الاستعلاء.
وهنا تحديداً تكمن أهمية طريقة تطبيق القانون، فليس كافياً أن نطبق النص القانوني، بل يجب أن يتم ذلك بأسلوب يحفظ كرامة الإنسان ويعكس صورة الدولة التي يمثلها رجل الأمن في الشارع. لأن المواطن لا يرى النصوص القانونية مجردة، وإنما يتعامل معها من خلال الموظف الذي يقف أمامه، ومن خلال لغته وسلوكه وطريقة تعامله.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال موجهاً إلى المسؤولين عن تدبير العمل الأمني محلياً: هل يتم التعامل مع مثل هذه الوقائع بالجدية اللازمة؟ وهل توجد آليات فعالة للاستماع إلى شكايات المواطنين والتحقق من الادعاءات المتعلقة بسوء المعاملة، إن ثبتت؟
إن احترام حقوق الإنسان داخل المرفق الأمني لا ينبغي أن يكون مجرد شعار يردد في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ من طريقة مخاطبة المواطن وتنتهي بكيفية تنفيذ الإجراء القانوني.
والأمن الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المخالفات التي تم ضبطها أو المحاضر التي تم تحريرها، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطن بأن القانون يحميه ويحفظ كرامته، حتى عندما يكون في وضعية مخالفة، ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية: هل يتغير أسلوب التعامل باختلاف مكانة المواطن أو هويته؟
السؤال افتراضي، ولا يجوز الجزم بإجابته دون معطيات موثوقة، لكنه يظل مشروعاً كلما ظهرت شكايات تتحدث عن تعامل مهين أو انتقائي. فالقانون لا ينبغي أن يكون شديداً على الضعيف وليناً أمام صاحب النفوذ، كما أن هيبة رجل الأمن لا تُقاس بقدرته على إخضاع المواطن، وإنما بقدرته على تطبيق القانون بعدالة واتزان.
وفي المقابل، يجب التأكيد على أن احترام المواطن لرجال الأمن واحترامه للقانون واجب أيضاً، وأن المخالفات المرورية وغيرها من المخالفات لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها. لكن معالجة المخالفة شيء، وإهانة مرتكبها شيء آخر تماماً، فإذا كانت هناك مخالفة، فهناك محضر وإجراء قانوني وعقوبة يحددها النص. أما الإذلال فليس عقوبة إضافية منصوصاً عليها في القانون.
ومن هنا، فإن الواقعة المتداولة في ميدلت، إذا ثبتت تفاصيلها كما يتم تداولها، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد سجال عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تستحق التحقق المسؤول، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بسلوك فردي معزول أم بخلل يستوجب المعالجة والتأطير.
وإذا كانت هناك شكاية أو ادعاء محدد ضد عنصر من عناصر الدرك، فإن فتح بحث إداري أو اتخاذ الإجراء المناسب، وفق ما تقتضيه المساطر، يظل الطريق السليم لمعرفة الحقيقة وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء.
أما رجل الأمن الذي يقف في الشارع، فهو قبل كل شيء ممثل لمؤسسة يفترض أن تجسد الانضباط والاحترام والعدل. وكلما كان سلوكه أكثر مهنية واتزاناً، ازدادت ثقة المواطن في المؤسسة التي يمثلها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً: إذا كان المواطن مطالباً باحترام القانون، أليس من حقه أيضاً أن يطالب بأن يُطبَّق عليه القانون باحترام؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد