هبة زووم – بنجرير
لم يعد الغلاء الذي يضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية مقتصراً على المواد الغذائية الكمالية، بل امتد ليطال منتجات ظلت، لسنوات طويلة، تشكل الملاذ الأخير للعائلات محدودة الدخل لتأمين حاجياتها من البروتين الحيواني. فبعد الارتفاعات المتتالية التي عرفتها أسعار سمك السردين، جاء الدور على الدجاج الرومي، الذي بات بدوره يبتعد تدريجياً عن متناول شرائح واسعة من المواطنين.
وفي مدينة بنجرير، تعكس أسعار الدجاج بالتقسيط حجم الضغط الذي تواجهه الأسر، بعدما تراوح ثمن الكيلوغرام الواحد، وفق معطيات محلية، بين 25 و30 درهماً، وهو مستوى يثير استياء المستهلكين، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة اجتماعية مقلقة؛ فالمواد التي كانت تُصنف ضمن الخيارات الغذائية الأقل تكلفة لم تعد تؤدي الدور نفسه في حماية ميزانية الأسر، ما يضع العائلات ذات الدخل المحدود أمام خيارات صعبة، بين تقليص الاستهلاك أو التخلي عن بعض المواد الأساسية في نظامها الغذائي.
وبينما يعزو مهنيون جانباً من ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف الإنتاج، من أعلاف وتدفئة ونقل، فضلاً عن عوامل مناخية ولوجستيكية، تتجه انتقادات المستهلكين والفعاليات المهنية نحو بنية التسويق والتوزيع، حيث يطرح تعدد الوسطاء وما يُعرف محلياً بـ«الشناقة» أسئلة حول مدى تأثير المضاربة واختلال مسالك التسويق في السعر النهائي الذي يؤديه المواطن.
ولا تقف الإشكالات المطروحة عند مرحلة البيع بالتقسيط، إذ سبق لمهنيين في قطاع تربية الدواجن أن نبهوا إلى صعوبات مرتبطة بارتفاع أسعار الكتاكيت والأعلاف المركبة، إلى جانب تقلب تكاليف الإنتاج. ويؤدي تراكم هذه الأعباء إلى زيادة الضغط على المربين، قبل أن تنتقل انعكاساته إلى حلقات التوزيع وصولاً إلى المستهلك النهائي.
وفي هذا السياق، يثير الحديث عن بلوغ سعر الكتكوت مستويات مرتفعة، قُدرت في المعطيات المتداولة بنحو 12 درهماً، تساؤلات إضافية حول طبيعة السوق ومدى خضوع مختلف حلقات السلسلة للمراقبة، خصوصاً أن أي اختلال في سوق المدخلات يمكن أن ينعكس على كلفة الإنتاج وعلى أسعار البيع.
لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد، سواء تعلق الأمر بالمربين أو الوسطاء أو تجار التقسيط، لن يقدم جواباً كافياً عن الأزمة. المطلوب هو تشخيص دقيق لمسار تشكل الأسعار، وتحديد هوامش الربح في مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، والكشف عن مكامن الاختلال إن وجدت، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين الفاعلين.
وأمام هذا الوضع، تتعالى المطالب بتدخل الجهات المختصة، وفي مقدمتها القطاعات الحكومية المعنية بالفلاحة والصناعة والتجارة وحماية المستهلك، من أجل تعزيز مراقبة الأسواق، وتتبع مسالك التوزيع، وضمان شفافية المعاملات، فضلاً عن تشجيع قنوات التسويق المباشر التي يمكن أن تقلص عدد الوسطاء وتحد من الأعباء الإضافية.
كما يطرح النقاش مطلب مراجعة طريقة اشتغال أسواق الجملة والتقسيط، بما يضمن حماية المنتج من جهة، وعدم تحميل المستهلك وحده كلفة الاختلالات من جهة ثانية. أما الدعوة إلى تحديد أسعار مرجعية، فتحتاج بدورها إلى دراسة دقيقة تراعي كلفة الإنتاج وهوامش التسويق، حتى لا تتحول إلى إجراء يضر بالمربين أو يخل بتوازن السوق.
إن ما يحدث في بنجرير ليس مجرد ارتفاع عابر في ثمن الدجاج، بل صورة محلية لمعاناة أوسع ترتبط بتآكل القدرة الشرائية، وتراجع الخيارات الغذائية المتاحة أمام الفئات الهشة. وحين يصبح السردين والدجاج، وهما من أبرز مصادر البروتين الأقل كلفة، عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة، فإن الأمر يستدعي أكثر من تصريحات ظرفية أو تبريرات موسمية.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا ارتفعت أسعار الدجاج، بل من يراقب مسارها، وكيف تتوزع الأرباح والتكاليف بين حلقات السلسلة، وما الإجراءات العملية الكفيلة بإعادة التوازن إلى السوق؟ وهي أسئلة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية، لأن حماية القدرة الشرائية للمواطن لا ينبغي أن تظل شعاراً يرفع كلما اشتدت موجة الغلاء.
تعليقات الزوار