تنغير.. الأرصفة تتحول إلى مصدر ريع و”كراء بالباطن” والساكنة تدفع الثمن

هبة زووم – تنغير
لم يعد احتلال الملك العمومي بمدينة تنغير، بحسب شكايات وملاحظات عدد من المتتبعين للشأن المحلي، مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بعرض السلع أو استغلال الأرصفة من طرف بعض الأنشطة التجارية، بل أصبح، وفق هذه المعطيات، يأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً تصل إلى حد إعادة استغلال وكراء أجزاء من الملك العمومي للغير مقابل مبالغ مالية، وهو ما يثير أسئلة حادة حول طرق تدبير هذا المجال ومدى احترام القوانين المنظمة له.
وتقول معطيات محلية إن بعض الأرصفة والساحات العمومية تحولت، في عدد من نقط المدينة، إلى فضاءات تستغل بشكل شبه دائم من طرف بعض المحلات والمقاهي والباعة، بما يجعل الراجلين، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، مضطرين إلى النزول إلى قارعة الطريق ومقاسمة المجال مع السيارات والعربات، في مشهد يطرح، بحسب السكان، مخاوف حقيقية بشأن السلامة وحوادث السير.
لكن الأخطر، وفق الشكايات المتداولة، يتمثل في ما يوصف بـ”كراء الأرصفة بالباطن”، حيث يُتهم بعض المستفيدين من تراخيص مؤقتة أو من استغلال الملك العام بإعادة منح المساحات التي يشغلونها لفائدة باعة متجولين أو ما يعرف محلياً بـ”الفراشة”، مقابل مبالغ مالية يومية أو شهرية.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز مجرد مخالفة مرتبطة باحتلال الرصيف، ليطرح إشكالاً أعمق يتعلق بتحويل فضاء عمومي مخصص لجميع المواطنين إلى مصدر منفعة خاصة خارج الأطر القانونية، وهو ما يستوجب، بحسب متتبعين، افتحاص طرق منح التراخيص ومراقبة مدى احترام شروطها وحدودها.
ولا تقتصر مظاهر احتلال الملك العمومي، وفق إفادات محلية، على الطاولات والكراسي والعربات المتنقلة، إذ تتحدث شكايات عن إقامة واجهات زجاجية وإسمنتية وتسييجات ثابتة فوق أجزاء من الأرصفة، فضلاً عن حالات يُقال فيها إن بعض التجزئات الحديثة شهدت ضم مساحات من الرصيف إلى حدائق أو فضاءات خاصة.
كما تثار، بحسب المعطيات المتداولة محلياً، تساؤلات بشأن تحويل بعض الفضاءات أو الاستعمالات السكنية إلى أنشطة تجارية ومهنية، من قبيل تحويل صالونات أو أجزاء من المنازل إلى محلات لبيع المواد الغذائية أو مكاتب لشركات، في وقت يطالب فيه السكان بتوضيح مدى مطابقة هذه الاستعمالات لقوانين التعمير والأنشطة المرخصة.
وفي المقابل، يشتكي عدد من المواطنين من كون حملات تحرير الملك العمومي، متى تمت، لا تحظى بالاستمرارية المطلوبة، ويعتبرون أن التركيز ينصب أحياناً على الباعة الصغار وأصحاب العربات المتجولة، بينما تظل احتلالات أكثر ثباتاً واتساعاً قائمة في بعض الشوارع والأحياء.
وتبقى مثل هذه الانتقادات مطالب وشكايات محلية تحتاج إلى التحقق الميداني والرد المؤسساتي، خصوصاً أن تحميل أي جهة مسؤولية الانتقائية أو التساهل مع محتلي الملك العمومي يتطلب معطيات موثقة وقرارات أو محاضر رسمية، وليس فقط الانطباعات أو الروايات المتداولة.
غير أن استمرار الظاهرة، بصرف النظر عن حجمها الحقيقي، يضع السلطات والجماعة والمصالح المختصة أمام مسؤولية واضحة تتمثل في تطبيق القواعد نفسها على الجميع، ومراقبة شروط الاستغلال، ومنع أي تحويل للملك العمومي إلى مصدر منفعة خاصة غير قانونية.
فالملك العمومي ليس مساحة قابلة للحجز الدائم من طرف الأقوى، ولا سلعة يمكن تداولها بين الأفراد خارج الضوابط، بل هو مجال مشترك يفترض أن تضمن السلطات حمايته وتنظيمه بما يحقق التوازن بين مصالح الأنشطة التجارية وحق المواطنين في المرور والاستعمال الآمن للفضاء العام.
ومن بين أكثر ما يثير استياء السكان أن بعض الحملات، وفق تعبيرهم، تبدو موسمية، إذ سرعان ما تعود بعض المظاهر نفسها بعد انتهاء التدخلات الميدانية، وهو ما يضعف أثر أي عملية لتحرير الأرصفة إذا لم تكن مصحوبة بمراقبة مستمرة وزجر المخالفات وتطبيق واضح لشروط الاستغلال.
وفي مدينة تعرف توسعاً عمرانياً وتزايداً في الأنشطة التجارية والخدماتية، فإن تدبير الملك العمومي لم يعد قضية هامشية، بل أصبح جزءاً من صورة المدينة ومن جودة الحياة فيها. فالرصيف، في النهاية، ليس مجرد مساحة متروكة أمام المحلات، وإنما مرفق أساسي لحركة الراجلين، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص في وضعيات تستدعي سهولة الولوج والتنقل.
ومن هنا، يطرح الوضع في تنغير جملة من الأسئلة التي تنتظر أجوبة مؤسساتية واضحة: من يمنح تراخيص استغلال الملك العمومي؟ وما هي المساحات المرخصة فعلياً؟ وهل تتم مراقبة احترام حدودها ومددها؟ وهل توجد حالات لإعادة كراء هذه المساحات للغير؟ وكيف يتم التعامل مع البناءات والتسييجات والتوسعات التي تمس الأرصفة؟
كما أن مطلب الساكنة، وفق الشكايات المتداولة، لا يتعلق فقط بشن حملات ظرفية، وإنما بوضع سياسة دائمة وشفافة لتحرير وتنظيم الملك العمومي، تقوم على المساواة في تطبيق القانون، وتمنع استغلال النفوذ أو العلاقات الشخصية للحصول على امتيازات غير مستحقة.
وتبقى الكرة في ملعب الجهات المختصة لتقديم توضيحات للرأي العام المحلي حول حقيقة ما يثار بشأن احتلال الأرصفة والكراء بالباطن، واتخاذ ما يلزم، إن ثبتت المخالفات، من إجراءات قانونية تضمن عودة الملك العمومي إلى وظيفته الطبيعية: فضاءً مفتوحاً لجميع المواطنين، لا مورداً للريع ولا مجالاً للفوضى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد