اليحياوي يقارن بين داتي وأخنوش: من يحاسب المسؤول عندما تتقاطع السلطة والمصالح؟

هبة زووم – الرباط
فتح الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، في تدوينة جديدة، مواجهة سياسية وقانونية من العيار الثقيل، بعدما وضع المسار القضائي لوزيرة العدل الفرنسية السابقة رشيدة داتي في مواجهة مباشرة مع المسار السياسي لرئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش، مستحضراً السؤال الأكثر حساسية في تدبير الشأن العام: متى تتحول المسؤولية السياسية إلى مسؤولية تستوجب المساءلة والمحاسبة؟
وانطلق اليحياوي من محاكمة رشيدة داتي أمام القضاء الفرنسي في قضية مرتبطة بمبالغ مالية تلقتها من شركة مرتبطة بتحالف رونو-نيسان، حين كانت عضواً في البرلمان الأوروبي ومحامية في الوقت نفسه.
وبحسب معطيات المحاكمة، تتعلق القضية بمبلغ يقارب 900 ألف يورو تلقتها داتي بين 2010 و2012، فيما يشتبه الادعاء في أن هذه المبالغ لم تكن مجرد أتعاب قانونية، وإنما ارتبطت بمحاولة الاستفادة من نفوذها السياسي داخل البرلمان الأوروبي. داتي تنفي هذه الاتهامات وتؤكد أن الأموال كانت مقابل خدمات قانونية واستشارية.
لكن التطور اللافت جاء في ختام مرافعات النيابة العامة المالية الفرنسية، التي طلبت في 28 شتنبر 2026 معاقبة داتي بأربع سنوات سجناً، منها سنتان نافذتان، وغرامة قدرها 450 ألف يورو، ومصادرة 900 ألف يورو، إلى جانب خمس سنوات من عدم الأهلية الانتخابية ومنعها من ممارسة المحاماة والقضاء. وهذه كلها طلبات للنيابة وليست حكماً قضائياً نهائياً.
وهنا تحديداً وضع اليحياوي الإصبع على جرح يعتبره مغربياً بامتياز، ففي الوقت الذي يرى فيه أن القضاء الفرنسي يفتح ملف مسؤول سياسي بسبب الاشتباه في تداخل المال والنفوذ والوظيفة العامة، يتساءل عن حدود المساءلة في المغرب، مستحضراً المسار الطويل لعزيز أخنوش داخل السلطة التنفيذية.
والوقائع الرسمية تؤكد أن أخنوش تولى حقيبة الفلاحة والصيد البحري منذ سنة 2007 إلى غاية تعيينه رئيساً للحكومة سنة 2021، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة منذ ذلك التاريخ.
وبذلك، فإن المقارنة التي يطرحها اليحياوي لا تتعلق بشخصين أو نظامين قضائيين فحسب، وإنما تفتح سؤالاً حول معايير المسؤولية السياسية عندما يمكث المسؤول سنوات طويلة في مواقع القرار.
هل يكفي أن تنتهي الولاية الحكومية أو الوزارية حتى تنتهي معها المسؤولية عن القرارات والسياسات التي اتُّخذت خلالها؟ وهل مغادرة المكتب الوزاري تعني إسدال الستار على حصيلة سنوات من تدبير قطاع استراتيجي كالفلاحة، بما يحمله من دعم عمومي، وسياسات فلاحية، وتدبير للثروة الحيوانية، وأسواق، واستيراد، وتوزيع؟
اليحياوي لا يقدم في تدوينته ملفاً قضائياً ضد أخنوش، وإنما يطلق حكماً سياسياً شديد اللهجة على حصيلته، معتبراً أن ما يراه أخطاء في التدبير لا ينبغي أن يبقى بمنأى عن المساءلة.
وهنا ينبغي الفصل بين أمرين: المسؤولية السياسية عن السياسات العمومية، والمسؤولية الجنائية التي لا تثبت إلا أمام القضاء وبناء على وقائع وأدلة وحكم قضائي، غير أن هذا الفصل لا يلغي جوهر السؤال.
فالفلاحة المغربية كانت إحدى أبرز الأوراش التي ارتبط اسم أخنوش بها خلال سنوات توليه الوزارة. وتؤكد السيرة الرسمية المنشورة عنه أن هذه الفترة شهدت تنفيذ مخطط «المغرب الأخضر»، ثم تقديم استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030».
وبعد انتقاله إلى رئاسة الحكومة، أصبحت الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العمومية تحت مسؤولية الحكومة التي يرأسها، فيما ظل تقييم نتائج تلك السياسات مجالاً للنقاش السياسي والمؤسساتي.
ومن الملفات التي أثارت بدورها نقاشاً مؤسساتياً ملف المحروقات. فقد فتح مجلس المنافسة تحقيقاً بشأن ممارسات محتملة منافية لقواعد المنافسة في سوق الغازوال والبنزين، وانتهى في 2023 إلى اتفاقات صلح مع تسع شركات ومنظمتها المهنية، بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.84 مليار درهم، مع التزامات سلوكية لتحسين المنافسة.
غير أن هذا الملف، بدوره، لا يثبت مسؤولية جنائية شخصية لعزيز أخنوش، ولا يجوز تقديمه بهذه الصفة من دون حكم أو وثيقة قضائية تثبت ذلك.
وهنا تكمن أهمية السؤال الذي تطرحه تدوينة اليحياوي: هل تكفي الآليات السياسية والانتخابية لتقييم حصيلة المسؤولين، أم أن الديمقراطية تحتاج أيضاً إلى مؤسسات رقابة أكثر صرامة واستقلالية قادرة على فحص القرارات العمومية وتحديد المسؤوليات عندما توجد شبهات أو اختلالات؟
إن المقارنة مع فرنسا تصبح مثيرة للجدل precisely لأن داتي لم تتم إدانتها حتى الآن، وإنما تخضع للمحاكمة وتواجه طلبات النيابة. وفي المقابل، فإن أخنوش ليس موضوعاً، وفق المعطيات التي تم الرجوع إليها هنا، لمحاكمة مماثلة في الملف الذي تتحدث عنه التدوينة.
لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا لم يُسجن أخنوش؟ بل: هل جرى، في الملفات التي كانت تحت مسؤوليته، ما يكفي من التقييم والافتحاص والمساءلة السياسية والمؤسساتية لتحديد مكامن النجاح والفشل وتحديد المسؤوليات؟ وهذا سؤال مشروع في أي نظام ديمقراطي، بصرف النظر عن اسم المسؤول أو موقعه.
اليحياوي اختار لغة حادة، وتحدث عن «نعمة اللاعقاب» وعن «الخطايا والكبائر»، وهي أوصاف تعكس موقفه السياسي والشخصي من حصيلة أخنوش، ولا ينبغي التعامل معها كأحكام قضائية.
لكن خلف اللغة الصادمة توجد قضية أعمق: المسؤول العمومي لا يفترض أن تنتهي مسؤوليته بمجرد مغادرته المنصب، كما أن النقد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة جنائية من دون قضاء.
وبين هذين الحدين، يبقى معيار الدولة والمؤسسات واضحاً: الافتحاص حين توجد أسباب تستدعيه، والرقابة حين تكون الأموال العمومية معنية، والمساءلة السياسية أمام المؤسسات المنتخبة، والقضاء حين تتوفر عناصر تستوجب تدخله، أما أن تتحول المناصب العمومية إلى مناطق محصنة من الأسئلة، فذلك هو جوهر الإشكال الذي تعيده تدوينة اليحياوي إلى الواجهة.
وفي النهاية، ليست القضية في أن يكون المسؤول غنياً أو فقيراً، ولا في أن ينتمي إلى هذا الحزب أو ذاك؛ القضية هي: هل يخضع صاحب القرار، عندما تتراكم سنوات المسؤولية والقرارات والميزانيات والسياسات، للقدر نفسه من التدقيق والمساءلة الذي يفترض أن يخضع له أي مسؤول عمومي؟
ذلك هو السؤال الذي يضعه اليحياوي على الطاولة، وهو سؤال لا تجيب عنه التدوينات، ولا الشعارات، وإنما تجيب عنه المؤسسات، والوثائق، والافتحاص، والقضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد