نزار بركة و”الأحرار”.. هل تكفي القطيعة الانتخابية لمحو خمس سنوات من التحالف الحكومي؟

هبة زووم – الرباط
يبدو أن مرحلة ما بعد الانتخابات قد فتحت شهية عدد من الأحزاب على إعادة رسم خريطة التحالفات، لكن بعض المواقف الجديدة تطرح سؤالاً سياسياً يصعب تجاهله: هل يمكن لحزب كان شريكاً في الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية أن يتعامل مع أخطاء تلك المرحلة وكأنها مسؤولية طرف آخر فقط؟
السؤال يفرض نفسه بقوة على خلفية مواقف نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، من مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، خصوصاً بعدما نقل أمام المجلس الوطني لحزبه، صباح السبت، معطيات تفيد بأن «البام» يتجه إلى استبعاد «الأحرار» من الحكومة المقبلة.
المفارقة أن المعطى نفسه لم يصمد طويلاً، إذ عاد بركة لاحقاً لتصحيح تصريحه، موضحاً أن المعلومات التي توصل بها لم تكن دقيقة، وأنها لم تعكس حقيقة ما انتهى إليه المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة.
لكن بعيداً عن هذا التصحيح، يبقى جوهر النقاش السياسي قائماً: ماذا عن السنوات الخمس الماضية؟ فحزب الاستقلال لم يكن مراقباً من خارج الحكومة السابقة، بل كان أحد مكوناتها وشريكاً في الأغلبية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وبالتالي، فإن أي تقييم للحصيلة الحكومية السابقة يفترض، منطقياً، أن يشمل مختلف مكوناتها، كلٌّ بحسب موقعه ومسؤوليته في اتخاذ القرار.
ومن هنا، فإن رفع شعار استبعاد “الأحرار” من الحكومة المقبلة لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإعادة كتابة سجل الولاية السابقة بطريقة تضع المسؤولية السياسية كاملة على حزب واحد.
فالحكومة لا تُدار باسم حزب واحد، والقرارات الحكومية لا تُتخذ خارج المؤسسات، والبرلمان بدوره كان حاضراً من خلال التصويت على مشاريع القوانين والميزانيات والإجراءات التي أثارت، خلال السنوات الماضية، نقاشاً سياسياً واجتماعياً واسعاً.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية التقييم السياسي: إذا كانت هناك أخطاء في تدبير القدرة الشرائية، أو اختيارات تشريعية لم تحظ بالقبول، أو قرارات حكومية أثارت احتجاج قطاعات مهنية واجتماعية، فمن حق الرأي العام أن يعرف موقع كل حزب شريك في الأغلبية منها، وماذا قال وماذا اقترح وماذا صوّت عليه؟ ذلك أن المعارضة السياسية، أو إعادة ترتيب التحالفات، لا تعني تلقائياً إسقاط المسؤولية عن مرحلة سابقة كان فيها الحزب جزءاً من الأغلبية.
المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عندما نضع مواقف ما بعد الانتخابات في مواجهة طبيعة المرحلة السابقة، فحزب الاستقلال يدخل اليوم مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة من موقع سياسي مختلف، بينما كان خلال الولاية المنتهية أحد مكونات الأغلبية الحكومية. واليوم، بعد ظهور نتائج الانتخابات، يعاد طرح سؤال التحالفات وكأن المشهد يبدأ من نقطة الصفر.
لكن الناخب لا يبدأ من الصفر، فالسنوات الخمس الماضية تركت حصيلة سياسية واقتصادية واجتماعية، وكل حزب شارك في تدبيرها مطالب بأن يقدم للرأي العام قراءته الخاصة لها، وأن يوضح ما يعتبره نجاحاً وما يعترف بأنه لم يحقق فيه ما كان منتظراً منه.
وهذا لا يعني تحميل حزب الاستقلال وحده مسؤولية الحصيلة، كما لا يعني أن كل قرار حكومي كان محل اتفاق بين مكونات الأغلبية. لكنه يعني أن الشراكة الحكومية تقتضي شراكة في التقييم أيضاً.
الأكثر دلالة في تطورات اليوم أن النقاش داخل المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة كان بالفعل حاداً بشأن مستقبل التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، فقد عبر هشام المهاجري وعدد من المتدخلين عن رفضهم استمرار التحالف، وربطوا موقفهم بالرسائل التي قالوا إن نتائج الانتخابات حملتها. وفي المقابل، دعت أصوات أخرى، من بينها الخطاط ينجا، إلى عدم إغلاق باب المشاورات مسبقاً وترك هامش أوسع للجنة المكلفة بالتفاوض.
وانتهت الدورة، وفق المعطيات المنشورة لاحقاً، إلى عدم إعلان تركيبة نهائية للأغلبية، مع تفويض فاطمة الزهراء المنصوري مواصلة المشاورات. كما أكدت المنصوري أن موقفها من عدم إعادة التحالف مع «الأحرار» كان واضحاً قبل اجتماع المجلس، فيما ينتظر الإعلان عن الصيغة الحكومية خلال الأسبوع المقبل، وبالتالي، فإن الحديث عن قرار نهائي صادر عن «البام» باستبعاد «الأحرار» كان سابقاً لأوانه، وهو ما يفسر أيضاً تصحيح بركة لتصريحه.
المفارقة السياسية الأخرى أن المجلس الوطني لحزب الاستقلال حسم اليوم، بالإجماع، في مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، وفوض نزار بركة واللجنة التنفيذية استئناف المفاوضات مع قيادة “البام”، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: **إذا كان الاستقلال مستعداً للعودة إلى الحكومة، فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ هل تغيرت السياسات التي انتقدها الحزب؟ هل تغيرت أولوياته؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة ترتيب للمواقع والتحالفات بعد نتائج الانتخابات؟
لا يتعلق الأمر بمنع أي حزب من تغيير مواقفه؛ فالسياسة بطبيعتها تعرف التحالف والاختلاف وإعادة التموضع. لكن ما يطلبه الرأي العام هو قدر أكبر من الوضوح: عندما ينتقد حزب حصيلة حكومة كان جزءاً منها، عليه أن يشرح أيضاً حصته من القرار، ومواقفه داخلها، وما الذي حاول تغييره ولم يتمكن من ذلك.
أما أن يتحول الشريك الحكومي السابق إلى متفرج على حصيلة الولاية المنتهية، ثم يقدم نفسه باعتباره خارج دائرة المسؤولية السياسية، فذلك يترك أسئلة مشروعة بلا جواب.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى شيء أبعد من المناورات الانتخابية ومن توزيع المسؤوليات السياسية، المطلوب هو كشف حساب حقيقي للولاية السابقة: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ من اتخذ القرار؟ من عارضه داخل الأغلبية؟ من صوت لصالحه في البرلمان؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عنه؟
فإذا كان حزب الاستقلال يرى أن التجمع الوطني للأحرار لم يعد مناسباً للأغلبية المقبلة، فمن حقه أن يشرح أسباب ذلك بوضوح. وإذا كان “البام” يتجه إلى بناء تحالفات جديدة، فعليه أن يوضح أيضاً كيف سيختلف هذا التحالف عن تجربة السنوات السابقة.
أما المواطن، الذي عاش خلال السنوات الماضية على وقع ارتفاع الأسعار وضغط كلفة المعيشة والنقاشات الاجتماعية والتشريعية المتعددة، فلا تعنيه كثيراً لعبة تبديل المقاعد حول طاولة الحكومة بقدر ما يعنيه أن يعرف من كان مسؤولاً عن ماذا، ومن سيحاسب على ماذا، وماذا سيتغير فعلياً في الولاية المقبلة.
فالحساب السياسي لا يبدأ يوم إعلان الحكومة الجديدة، ولا ينتهي يوم خروج حزب من الأغلبية، الحساب يبدأ من لحظة اتخاذ القرار، ويمتد إلى لحظة تقييم نتائجه، وهنا تحديداً تكمن المعضلة: هل نحن أمام تغيير حقيقي في الخيارات، أم مجرد إعادة ترتيب للتحالفات والأدوار بعد أن قالت صناديق الاقتراع كلمتها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد