الحسيمة – المراسل
عاد المشهد السياسي بمدينة الحسيمة إلى واجهة النقاش من جديد، بعد بروز اسم الرئيس الأسبق للجماعة والقيادي الحركي السابق، الدكتور محمد بودرا، في سياق جدل يرتبط بملف قضائي وباتهامات متداولة بشأن تسريب معطيات مرتبطة بجلسة استماع إليه من طرف الشرطة القضائية الجهوية بفاس.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن بودرا يلمّح إلى مسؤولية رئيس جماعة الحسيمة الحالي نجيب الوزاني عن تسريب معطيات حساسة مرتبطة بهذا الاستماع، وهو ما يفتح الباب أمام سجال سياسي وقانوني يتجاوز، في حال تأكد صدور هذه الاتهامات بشكل رسمي، حدود التنافس الانتخابي والسياسي المعتاد.
الخطورة في هذا الملف لا تكمن فقط في هوية الأطراف المعنية، وإنما في طبيعة المعطيات التي يجري الحديث عن تسريبها، لارتباطها بإجراءات بحث قضائي يفترض أن تحاط بالسرية، فضلاً عن ارتباطها بشخص لم تثبت في حقه أي إدانة قضائية نهائية.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن تسريب محاضر أو مضامين الاستماع يطرح أسئلة مشروعة حول مصدر هذه المعلومات، والجهة التي قامت بتداولها، والكيفية التي خرجت بها من نطاق البحث إلى الفضاء العام.
لكن في المقابل، يبقى من الضروري التعامل مع هذه المعطيات بحذر، خصوصاً أن الاتهامات المتداولة لا يمكن أن تتحول إلى حقائق ثابتة بمجرد تداولها، ما لم يتم تأكيدها من أصحابها بشكل رسمي أو تدعمها معطيات موثوقة.
وفي الجهة المقابلة، تشير المعطيات المتداولة إلى أن نجيب الوزاني لم ينخرط في سجال علني مع بودرا، مفضلاً عدم الرد المباشر على ما يتم تداوله.
وقد يُقرأ هذا الصمت باعتباره محاولة لتجنب الانجرار إلى مواجهة سياسية قد تتسع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، غير أن استمرار الاتهامات المتداولة يجعل الحاجة إلى التوضيح قائمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف قضائي وبمسؤول منتخب يشرف على تدبير جماعة ترابية.
فالصمت قد يكون خياراً سياسياً، لكنه لا يمنع الرأي العام المحلي من طرح الأسئلة، ولا يلغي الحاجة إلى توضيحات عندما تصبح القضية موضوع نقاش واسع داخل المدينة.
وتزداد أهمية القضية بالنظر إلى الوزن السياسي الذي يمثله محمد بودرا في تاريخ التدبير المحلي بمدينة الحسيمة، فضلاً عن الحديث عن استعداده للعودة إلى واجهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن أي ملف قضائي يرتبط باسمه سيصبح، بشكل طبيعي، موضع اهتمام سياسي وإعلامي، ليس باعتباره دليلاً على الإدانة، وإنما باعتباره ملفاً يحتاج إلى توضيح دقيق حول طبيعته ومراحله.
فالاستماع إلى شخص من طرف الشرطة القضائية، أو البحث معه في قضية معينة، لا يعني قانوناً ثبوت ارتكابه لأي مخالفة أو جريمة، كما لا يمكن مساواة البحث أو الاستماع بالحكم القضائي النهائي. وتبقى قرينة البراءة قائمة إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
المعضلة الحقيقية في هذه القضية تتمثل في التوازن بين مبدأ سرية البحث القضائي وحق الرأي العام في معرفة ما يرتبط بالشأن العام، فإذا كانت هناك بالفعل معطيات سرية خرجت من إطار البحث القضائي، فإن السؤال الأساسي يصبح: من سرّبها؟ وكيف وصلت إلى التداول العام؟
أما إذا كانت المعلومات المتداولة قد جرى الحصول عليها من مصادر أخرى، فإن مسؤولية تحديد مصدرها ودقتها تظل قائمة، حتى لا يتحول الملف إلى مادة للتصفية السياسية أو لتبادل الاتهامات دون أدلة.
ومن هنا، فإن فتح نقاش عمومي مسؤول حول القضية يظل أفضل من تركها رهينة للتسريبات والتأويلات، خصوصاً في مدينة تستعد لمرحلة انتخابية جديدة قد تجعل كل معلومة مرتبطة بالفاعلين السياسيين قابلة للاستثمار انتخابياً.
وبعيداً عن الحسابات الشخصية والمواجهات السياسية، يبقى المواطن الحسيمي هو الطرف الذي يحق له أن يعرف الحقيقة دون تهويل أو تشهير أو توظيف سياسي للملفات القضائية.
وإذا كان محمد بودرا قد وجه بالفعل اتهاماً واضحاً بشأن تسريب معطيات جلسة الاستماع، فإن الرأي العام ينتظر منه توضيحاً دقيقاً لمضمون هذا الاتهام، وتقديم ما يمكن من عناصر أو أدلة تثبته.
وفي المقابل، فإن نجيب الوزاني، باعتباره رئيساً لجماعة قائمة، يبقى أمام خيار توضيح موقفه من هذه الاتهامات، سواء بالنفي أو بتقديم المعطيات التي من شأنها وضع حد للتأويلات المتداولة.
وفي جميع الأحوال، ينبغي ألا تتحول القضية إلى محاكمة إعلامية موازية للقضاء، لأن الفصل في المسؤوليات والاتهامات يظل من اختصاص المؤسسات القضائية وحدها.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن الحسيمة مقبلة على مرحلة سياسية ساخنة، سيكون فيها للملفات القضائية والتدبيرية حضور قوي في النقاش العمومي، لكن الفيصل في النهاية لن يكون التسريبات ولا الاتهامات المتبادلة، وإنما الدليل والقانون والقضاء وصندوق الاقتراع.
ففي السياسة، قد تشتعل المعارك بالكلام، لكن الحقيقة لا تثبتها إلا الوثائق، والمسؤولية لا يحددها إلا القانون، والناخب وحده يملك الكلمة الأخيرة في صناديق الاقتراع.
تعليقات الزوار