هبة زووم – أحمد الفيلالي
يبدو أن مسلسل البناء العشوائي ببعض مناطق الدار البيضاء الكبرى لا يريد أن يصل إلى نهايته، رغم توالي الحملات والتعليمات واللجان، ورغم كل ما يقال عن صرامة السلطات في مواجهة الظاهرة.
فكلما ارتفعت أصوات الاحتجاج، تحركت اللجان، وكلما اشتد الضغط، بدأت عمليات الهدم، لكن السؤال الذي ظل معلقاً هو: كيف تمكنت هذه البنايات والتجزئات من الظهور أصلاً، ومن سمح لها بأن تتحول إلى واقع قائم؟
فالبناء العشوائي لم يعد مجرد خروقات فردية مرتبطة بمواطن يبحث عن سقف يؤويه، بل أصبح، في بعض المناطق، ظاهرة مركبة تتداخل فيها المصالح العقارية والانتخابية والإدارية، بما يجعل مواجهتها تقتضي مساءلة من استفاد من استمرارها، وليس الاكتفاء بملاحقة من شيد آخر لبنة.
وفي منطقة بوسكورة، بلغت الظاهرة مستويات أثارت احتجاجات واسعة، قبل أن تعرف بعض المناطق حملات لهدم عدد من البنايات، وهي خطوة يفترض أن تكون جزءاً من تطبيق القانون، لا مجرد رد فعل ظرفي تفرضه احتجاجات أو حسابات سياسية.
غير أن الاعتداء الذي تعرض له أحد رجال السلطة أثناء قيامه بمهامه، وفق المعطيات المتداولة، يكشف بدوره حجم التوتر الذي أصبح يحيط بملف التعمير، ويطرح سؤالاً أكبر حول الجهات التي استفادت لسنوات من حالة الفوضى التي سمحت بتوسع البناء غير القانوني.
حين يصبح البناء العشوائي ورقة انتخابية
المشكلة أن البناء العشوائي، في بعض المناطق، لا يعيش بعيداً عن الحسابات الانتخابية، ففي مواسم الاقتراع، يمكن أن تتحول الرخص الاستثنائية والتساهل في مواجهة المخالفات إلى وسيلة لبناء شبكات من الولاء السياسي، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن المسؤول المنتخب قادر على حل مشكلته العقارية أو التغاضي عن مخالفته.
وهنا يتحول الاسمنت إلى ورقة انتخابية، وتتحول التجزئات العشوائية إلى خزانات محتملة للأصوات.
لكن عندما تتغير موازين القوى أو تقترب الاستحقاقات الانتخابية، يصبح تطبيق القانون نفسه جزءاً من لعبة الحسابات، وهو ما يجعل المواطن يتساءل: هل القانون يطبق بالصرامة نفسها في كل الأوقات وعلى الجميع، أم أن توقيت الحملات وطبيعة المستفيدين من الوضع السابق قد تؤثر في طريقة تدبير الملف؟
لجنة للتحقيق.. لكن من يحقق في أصل المشكلة؟
إرسال لجان للتحقيق في أسباب تفشي البناء العشوائي يظل خطوة مطلوبة، غير أن التحقيق الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند معاينة البنايات المخالفة.
السؤال الأكثر أهمية هو: من سمح لها بأن تبنى؟ ومن تغاضى عن المخالفات؟ ومن استفاد من تحويل الأراضي إلى تجزئات خارج الضوابط؟ ومن كان يعلم ولم يتحرك؟ ومن يملك صلاحيات المراقبة والزجر، ولماذا لم يستعملها في الوقت المناسب؟
فالهدم، مهما كان ضرورياً عندما تثبت المخالفة، لا يعالج جذور المشكلة إذا لم تتم مساءلة المسؤولين عن وصول الوضع إلى هذه المرحلة.
اتهامات بانحياز العامل.. والسلطات مطالبة بالتوضيح
وفي خضم هذه التطورات، تتداول اتهامات محلية بشأن ما يعتبره بعض الفاعلين انحيازاً من عامل الإقليم بنحيون لفائدة مرشح بعينه، استناداً، حسب المعطيات المتداولة، إلى تقارير وصفها أصحاب هذه الاتهامات بأنها مغلوطة ورفعت إليه من طرف رئيس قسم الشؤون الداخلية.
وهذه اتهامات خطيرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة دون أدلة أو تحقيق مؤسساتي مستقل، لكن خطورة ما يروج محلياً تفرض، في المقابل، ضرورة توضيح المعطيات التي تستند إليها القرارات والتوجيهات المرتبطة بملف التعمير، خصوصاً إذا كان هناك اعتقاد لدى فاعلين محليين بأن بعض الإجراءات قد تخدم مرشحاً أو جهة سياسية دون أخرى.
فالسلطة الترابية مطالبة بالوقوف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وأي انطباع بوجود انحياز قد يضر بصورة الإدارة ويضرب الثقة في حيادها.
قسم الشؤون الداخلية أمام امتحان الشفافية
كما أن الأصابع التي توجه إلى قسم الشؤون الداخلية لا يمكن أن تبقى مجرد اتهامات متبادلة.
إذا كانت التقارير المرفوعة إلى العامل سليمة ومبنية على معطيات دقيقة، فمن حق الرأي العام معرفة ذلك، وإذا كانت هناك أخطاء أو معلومات غير دقيقة، فمن حق الأطراف المتضررة أن تطعن فيها وأن تطلب تصحيحها وفق القنوات القانونية.
أما أن تصبح التقارير الإدارية مادة للصراع السياسي، فذلك يضع المؤسسة نفسها أمام سؤال الحكامة والحياد.
فالإدارة الترابية لا ينبغي أن تكون طرفاً في المنافسة الانتخابية، ولا يجوز أن تتحول التقارير الإدارية إلى أدوات لترجيح كفة مرشح على حساب آخر.
المطلوب ليس الهدم فقط
إن مواجهة البناء العشوائي لا يمكن اختزالها في جرافة تهدم منزلاً بعد سنوات من بنائه، فالمطلوب اليوم هو فتح الملفات من بدايتها، وتحديد المسؤوليات، ومراجعة ظروف الترخيص والمراقبة، والتدقيق في التجزئات التي ظهرت خارج الضوابط، والتحقيق في كل شبهة استغلال للنفوذ أو المال أو الموقع السياسي.
كما أن المطلوب، بالتوازي، ضمان عدم استعمال عمليات الهدم أو المراقبة لأهداف انتخابية أو انتقائية، فالقانون يجب أن يكون واحداً، والهدم يجب أن يستند إلى نفس المعايير، والمراقبة يجب أن تشمل الجميع، سواء تعلق الأمر بمواطن بسيط أو بمستثمر أو بمنتخب أو بشخص محسوب على هذه الجهة أو تلك.
وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في ملف البناء العشوائي هو أن يتحول تطبيق القانون نفسه إلى موضوع للشك والريبة.
لذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب السلطات المختصة لتقديم إجابات واضحة حول حقيقة ما يجري، وخصوصاً بشأن الاتهامات المتداولة حول التقارير المرفوعة إلى العامل، ومدى دقتها، وما إذا كانت القرارات المتخذة تستند إلى معايير قانونية موحدة بعيداً عن الحسابات الانتخابية.
فالبناء العشوائي لا يحتاج إلى لجان موسمية فقط، بل إلى محاسبة من سمح له بأن يصبح واقعاً، والسياسة لا تحتاج إلى سلطة منحازة، بل إلى إدارة تقف على المسافة نفسها من جميع المرشحين.
تعليقات الزوار