هبة زووم – الرباط
يبدو أن مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة دخلت مرحلة أكثر حساسية، بعدما بدأت ملامح أغلبية حكومية جديدة تتشكل خارج الحسابات التي طبعت المرحلة السابقة، وسط مؤشرات سياسية قوية على أن حزب التجمع الوطني للأحرار قد يجد نفسه، للمرة الأولى، في موقع المعارضة بعد سنوات من تصدر المشهد الحكومي.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى هبة زووم، فإن رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، قطعت أشواطاً مهمة في بناء أغلبية جديدة، تقوم أساساً على أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مع إمكانية التحاق الحركة الشعبية بهذا التحالف في حال جرى تجاوز بعض الشروط التي يضعها الحزب أمام المشاركة في الحكومة.
وبهذه الصيغة، ستكون المنصوري أمام أغلبية مختلفة سياسياً عن التركيبة التي حكمت البلاد خلال الولاية السابقة، فيما قد يجد التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام سيناريو غير مسبوق: الانتقال من موقع قيادة الحكومة إلى صفوف المعارضة.
واللافت في هذه التطورات ليس فقط أسماء الأحزاب التي يجري التداول بشأنها، وإنما الرسالة السياسية التي تحملها خريطة المشاورات الجديدة، فاستبعاد الأحرار، إذا تأكد رسمياً، لن يكون مجرد تغيير في توزيع الحقائب الوزارية، بل سيعني عملياً إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي المغربي.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الجولة الثانية من المشاورات بدأت، أول أمس الاثنين، باستقبال حزب التقدم والاشتراكية، حيث تحدثت مصادر الجريدة عن تقدم كبير في التفاهمات، بل وعن اتفاق مبدئي يفتح الطريق أمام مشاركة الحزب في الحكومة، على أن يعقد أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله اجتماعاً لأعضاء مكتبه السياسي لإعداد لائحة الأسماء المقترحة للاستوزار.
بعد ذلك، استقبلت المنصوري الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في خطوة تحمل أكثر من دلالة، خصوصاً أن الحزب قد يجد نفسه، بعد سنوات من المعارضة، أمام فرصة العودة إلى الحكومة من بوابة أغلبية جديدة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين التجمع الوطني للأحرار من كل هذه المشاورات؟
فوفق المعطيات التي توصلت بها الجريدة، لم توجه المنصوري، ضمن الجولة الثانية التي انطلقت بهذا الشكل، الدعوة إلى الحزب الثاني في الترتيب الانتخابي، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات السياسية، ويعزز الحديث عن وجود قرار سياسي بإعادة رسم الأغلبية بعيداً عن قيادة الأحرار.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير رئيس الحكومة أو تبديل بعض الوجوه، وإنما بإعادة بناء المشهد الحكومي برمته، وربما فتح صفحة سياسية جديدة عنوانها الأبرز نهاية هيمنة الأحرار على القرار التنفيذي وبداية مرحلة جديدة يقودها الأصالة والمعاصرة.
أما حزب الاستقلال، صاحب الـ65 مقعداً، فيبدو مرشحاً للعب دور محوري في هذه الهندسة، إلى جانب التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، فيما قد تشكل الحركة الشعبية، بـ27 مقعداً، ورقة إضافية قادرة على تعزيز الأغلبية إذا تم التوصل إلى صيغة توافقية بشأن شروط مشاركتها.
وفي المقابل، قد يجد الاتحاد الدستوري نفسه في موقع مختلف، من خلال تقديم دعم سياسي للأغلبية دون المشاركة المباشرة في الحكومة، وهو سيناريو من شأنه أن يمنح المنصوري هامشاً إضافياً للمناورة وتدبير التوازنات داخل البرلمان.
غير أن أخطر ما في المشهد، ليس فقط من سيدخل الحكومة ومن سيجلس في المعارضة، وإنما ما إذا كانت هذه الهندسة الجديدة ستنتج فعلاً تغييراً في طريقة تدبير الشأن العام، أم أنها ستظل مجرد عملية لإعادة توزيع الكراسي والمواقع بين الأحزاب.
فالمغاربة لا ينتظرون حكومة جديدة فقط، بل ينتظرون حكومة قادرة على الإجابة عن ملفات اجتماعية واقتصادية ضاغطة، وعلى تقديم حصيلة ملموسة في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والاستثمار ومحاربة الفوارق المجالية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ستواجهه فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون فقط: من سيدخل الحكومة؟ وإنما: ماذا سيفعل هؤلاء بعد دخولها؟
أما الأحرار، فإن وجدوا أنفسهم فعلاً خارج الأغلبية، فسيكون عليهم بدورهم تقديم جواب سياسي واضح: هل سيقبلون الانتقال إلى المعارضة وممارسة دور رقابي حقيقي، أم أن الأمر سيتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع الأغلبية الجديدة؟
في انتظار الإعلان الرسمي عن التركيبة الحكومية، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، لكن المؤكد أن المشاورات الحالية بدأت تكشف أن خريطة الحكومة المقبلة قد لا تشبه، في شيء، خريطة الحكومة السابقة.
والأهم أن معركة تشكيل الأغلبية قد تكون مجرد البداية؛ فالمعركة الحقيقية ستبدأ يوم تدخل الحكومة الجديدة إلى الميدان، وحينها لن تنفع التحالفات ولا الحسابات الحزبية إذا عجزت عن تقديم حصيلة تقنع المغاربة بأن تغيير الأغلبية كان فعلاً من أجل تغيير السياسات، وليس فقط من أجل تغيير أصحاب الكراسي.
تعليقات الزوار