اليوسفية.. ستة أشهر من العطش و”الشاطو” ممتلئ وساكنة أولاد الحاج وعباس بنخيلوق تصرخ في وجه صمت العامل طالب

هبة زووم – علال الصحراوي
لم يعد الأمر مجرد انقطاع عابر للماء، ولا عطلاً تقنياً يمكن تبريره بأشغال مؤقتة أو إصلاحات ظرفية. فحسب شكايات ومعطيات نشرها سكان دواري أولاد الحاج وعباس بنخيلوق بإقليم اليوسفية، امتدت معاناتهم لأزيد من ستة أشهر وهم محرومون من مورد لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش بدونه: الماء.
ستة أشهر من الانتظار، وستة أشهر من الوعود والأسئلة التي لم تجد جواباً مقنعاً، قبل أن تضطر الساكنة إلى اللجوء إلى شبكات التواصل الاجتماعي، بعدما بدا لها أن صرختها لم تجد، إلى حدود الساعة، آذاناً صاغية لدى المسؤولين محلياً.
وتختصر إحدى العبارات المتداولة وسط السكان حجم المفارقة التي يعيشونها: “الماء حدانا وحنا محرومين منو”.
فالساكنة، بحسب ما نشرته في ندائها، تؤكد أن الخزان المائي بالمنطقة يظل ممتلئاً بالماء، بينما تعيش البيوت على وقع الجفاف والعطش. صورة تختزل، إن صحت المعطيات الواردة في الشكاية، واحداً من أكثر أشكال الاختلال استفزازاً: توفر الماء في المنشأة، وحرمان السكان من الوصول إليه.
آبار أُغلقت ودواب مهددة بالموت
لم تقف الأزمة عند حدود المنازل والأسر، بل امتدت آثارها، وفق رواية السكان، إلى ماشيتهم ودوابهم التي أصبحت بدورها مهددة بسبب ندرة المياه.
وتقول الساكنة إن الآبار التي كانت تشكل حلاً اضطرارياً ومصدراً بديلاً للماء، لم تعد متاحة لها، الأمر الذي ضاعف حجم الأزمة وحول الحياة اليومية إلى رحلة مستمرة للبحث عن قطرة ماء.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لسلطات إقليمية أن تترك سكان دوارين يواجهون أزمة ماء لأزيد من نصف سنة دون إيجاد حل جذري ومستدام؟
وأين هي سياسة القرب؟ وأين هي الإدارة التي يفترض أن تتحرك قبل أن تتحول معاناة المواطنين إلى منشورات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
“إصلاحات” تدوم ستة أشهر!
بحسب ما تداوله السكان، فإن الحديث عن وجود إصلاحات أو تعديلات على الشبكة ظل يتكرر لتبرير استمرار الوضع، لكن أي إصلاح يمكن أن يمتد لأكثر من ستة أشهر دون أن يتم توفير حل بديل يضمن الحد الأدنى من الحق في الماء؟
وهل من المقبول أن يتحول السكان إلى رهائن لأشغال مفتوحة بلا آجال واضحة، ولا تواصل رسمي يشرح أسباب التأخير، ولا التزامات معلنة تحدد تاريخاً دقيقاً لعودة الماء؟
إن المواطن لا يطالب بمعجزة، ولا بخدمة استثنائية، بل يطالب بحق بديهي: أن يفتح صنبور منزله فيجد الماء.
اتهامات للجمعية ومطالب بالتحقيق
الساكنة وجهت، في منشوراتها، انتقادات مباشرة إلى الجمعية التي كانت تشرف على الشبكة المائية، متهمة إياها، بحسب روايتها، باتخاذ إجراءات همت الشبكة التي تم تجهيزها في وقت سابق بمساهمة محسنين، دون إشعار أو استشارة كافية للساكنة.
كما تحدث السكان عن ما اعتبروه سوءاً في التدبير والتواصل، مطالبين السلطات المختصة بالتدخل والبحث في حقيقة ما جرى وترتيب المسؤوليات وفق ما ستكشف عنه التحقيقات والمعطيات الرسمية.
وهنا لا بد من التأكيد أن هذه المعطيات تبقى في إطار شكايات واتهامات صادرة عن السكان، ويتعين على الجهات المختصة الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية، والتحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات القانونية والإدارية بناء على معطيات دقيقة، لكن المؤكد أن استمرار الأزمة كل هذه المدة لا يمكن أن يظل بلا تفسير ولا مساءلة.
أين عامل الإقليم؟
وسط هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى عامل إقليم اليوسفية، عبد المومن طالب، باعتباره ممثل السلطة المركزية والمسؤول عن تتبع عدد من الملفات المرتبطة بحياة المواطنين وتنسيق تدخلات مختلف المصالح.
فالساكنة لم تعد تريد وعوداً جديدة ولا زيارات شكلية. إنها تطالب بتدخل عاجل يعيد الماء إلى البيوت ويضع حداً لمعاناة استمرت، بحسب شكاياتها، لأزيد من ستة أشهر.
الأمر يحتاج إلى جواب واضح عن سؤال بسيط: من المسؤول عن بقاء سكان دوارين كاملين بلا ماء طوال هذه المدة؟
فإذا كانت هناك أعطاب تقنية، يجب تحديدها وإصلاحها داخل آجال معقولة، وإذا كانت هناك اختلالات في تدبير الشبكة، فيجب الكشف عنها وتصحيحها. وإذا كانت هناك مسؤوليات ثبت تقصير أصحابها، فمن حق السكان أن يعرفوا من يتحملها.
من “مغرب بسرعتين” إلى “مغرب بأربع سرعات”؟
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة والمسؤولون عن العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المناطق، يرى سكان أولاد الحاج وعباس بنخيلوق أن واقعهم اليوم يقدم صورة مختلفة تماماً.
فهم يقولون إنهم لا يعيشون فقط في “مغرب بسرعتين”، بل في “مغرب بأربع سرعات”، حيث توجد مناطق تستفيد من المشاريع والخدمات والبنيات الأساسية، بينما يظل سكان مناطق أخرى مطالبين بخوض معركة من أجل الحصول على أبسط الحقوق.
والمفارقة المؤلمة أن الماء، الذي يفترض أن يكون متاحاً وقريباً منهم، أصبح بالنسبة إليهم حلماً يومياً، لقد تحولت شكايتهم من مجرد تظلم إلى صرخة استغاثة.
“نحن لا نشتكي، نحن نصرخ”، يقول السكان، صرخة ينبغي ألا تضيع بين مكاتب الإدارات ومراسلات المصالح والوعود المؤجلة. لأن ستة أشهر بلا ماء ليست مجرد تأخر في الإصلاح، بل مدة كافية لطرح أسئلة ثقيلة حول الحكامة، والتدبير، والرقابة، والمسؤولية.
واليوم، الكرة في ملعب السلطات الإقليمية والمصالح المعنية. المطلوب ليس بلاغاً لتهدئة الغضب، بل إعادة الماء فوراً، وفتح تحقيق في أسباب استمرار الانقطاع، وتقديم توضيحات للرأي العام المحلي، وضمان عدم تكرار هذه المعاناة.
فالماء ليس امتيازاً يمنح للسكان عند الرضا، ولا ورقة يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر، الماء حق، والعطش الذي دام أكثر من ستة أشهر يضع الجميع أمام سؤال واحد: من سيتحمل المسؤولية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد