اليوسفية: ماذا قدم عامل الإقليم عبد المومن طالب لمغاربة العالم غير لقاء 10 غشت؟

هبة زووم – علال الصحراوي
في كل سنة، ومع حلول العاشر من غشت، تستفيق الإدارات الترابية على موعد ثابت في أجندتها: اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج. لقاءات، كلمات ترحيبية، عروض قطاعية، صور جماعية، أروقة للتواصل، وعبارات من قبيل “الإنصات” و“المواكبة” و“تسهيل المساطر”. ثم تنتهي المناسبة، ويعود كل شيء إلى سابق عهده.
وفي إقليم اليوسفية، لا يبدو المشهد مختلفاً كثيراً، وهو ما يفرض سؤالاً مشروعاً لا ينبغي أن يزعج أحداً: ماذا قدمت عمالة الإقليم للجالية المغربية المقيمة بالخارج طوال السنة، وليس فقط في اليوم الوطني الذي يصادف 10 غشت؟
فقد احتضنت عمالة إقليم اليوسفية، يوم الاثنين 10 غشت 2026، لقاءً تواصلياً مع أفراد الجالية تحت شعار “المغاربة المقيمون بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030″، ترأسه عامل الإقليم عبد المومن طالب، بحضور عدد من المسؤولين والمنتخبين ورؤساء المصالح والمؤسسات.
كل شيء كان حاضراً في الصورة الرسمية: ممثلو القطاعات، عروض حول الاستثمار والفلاحة والتجهيز والماء والصحة والتعمير والشؤون القروية، ومداخلات حول البرامج الاجتماعية والخدمات المتاحة، فضلاً عن الحديث عن أهمية مساهمة مغاربة العالم في التنمية والاستثمار.
لكن خلف هذا السيل من العروض والكلمات، يبقى السؤال الصحفي قائماً: هل نحن أمام سياسة عمومية مستمرة لخدمة مغاربة العالم، أم أمام موعد بروتوكولي سنوي تفرضه أجندة وطنية، فتتحرك المصالح لعقده ثم ينتهي بانتهاء المناسبة؟
مناسبة وطنية أم سياسة موسمية؟
لا أحد ينكر أهمية التواصل مع أفراد الجالية، ولا يمكن التقليل من قيمة استقبالهم والاستماع إلى مشاكلهم، لكن التواصل الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات التي ألقيت في لقاء رسمي، ولا بعدد المسؤولين الذين جلسوا حول طاولة واحدة.
التواصل الذي ينتظره مغربي العالم هو أن يجد الإدارة مفتوحة أمامه قبل 10 غشت وبعده، وأن يجد المساطر واضحة، وأن تتم معالجة ملفاته في آجال معقولة، وأن لا يتحول الاستثمار في الإقليم إلى مغامرة إدارية مرهقة، وأن تكون قضايا العقار والتعمير والرخص والخدمات الأساسية قابلة للتتبع والحل دون الحاجة إلى انتظار مناسبة وطنية حتى يتم فتح باب المسؤولين.
أما أن تتذكر الإدارة الجالية في موعد سنوي محدد، ثم تقدم لها حصيلة القطاعات وبرامجها، فذلك وحده لا يكفي لإقناع الرأي العام بأن هناك تحولاً حقيقياً في طريقة التعامل مع مغاربة العالم.
والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا: ما هي الملفات التي عالجتها عمالة اليوسفية خلال السنة الماضية لفائدة أفراد الجالية؟ وكم ملفاً استثمارياً تمت مواكبته؟ وكم نزاعاً عقارياً أو إشكالاً إدارياً جرى حله؟ وكم من مشروع استثماري مغربي بالخارج وجد طريقه فعلاً إلى الإقليم؟ هذه هي الأرقام التي تستحق أن تُعرض على المواطنين، وليس فقط صور اللقاءات الرسمية.
خطابات 2030.. ولكن ماذا عن اليوسفية اليوم؟
اختيار شعار “المغاربة المقيمون بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030” ينسجم مع التوجه الوطني الرامي إلى إشراك مغاربة العالم في الأوراش الكبرى للمملكة، لكن تحويل الشعار إلى واقع يحتاج إلى أكثر من دعوة الجالية للاستثمار والمساهمة في التنمية.
فمغربي العالم الذي يفكر في الاستثمار في اليوسفية لا يحتاج فقط إلى عرض حول “المؤهلات والفرص الاستثمارية”، بل يريد أن يعرف ماذا سيجد على أرض الواقع: هل العقار متوفر؟ هل المساطر واضحة؟ هل الرخص تسلّم في آجال معقولة؟ هل هناك مواكبة فعلية؟ هل البنيات التحتية قادرة على استيعاب المشاريع؟ وهل الإدارة مستعدة لتحويل المستثمر من مجرد ضيف في لقاء رسمي إلى شريك فعلي في التنمية؟
ثم ماذا عن اليوسفية نفسها؟ هل تحسنت خدماتها الأساسية بما يكفي لتقديم الإقليم باعتباره وجهة استثمارية جذابة؟ وهل انعكس الحديث عن التنمية على فرص الشغل، والفضاءات الاقتصادية، والبنية التحتية، والخدمات الإدارية؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بخطاب بروتوكولي.
أين المتابعة بعد انفضاض اللقاء؟
الاختبار الحقيقي لأي لقاء تواصلي ليس ما يقال داخله، وإنما ما يحدث بعده. لقد قيل، وفق المعطيات الرسمية، إن أفراد الجالية طرحوا عدداً من الإشكالات المرتبطة بالإدارة والاستثمار والتعمير والعقار والخدمات، وإن المسؤولين قدموا أجوبة وتوضيحات، بل تمت معالجة بعض الحالات بعين المكان وإحالة أخرى على المصالح المختصة.
وهنا تحديداً يجب أن يبدأ العمل الصحفي الجاد: ما هي هذه الملفات؟ وما عددها؟ وما هي آجال معالجتها؟ ومن سيتولى تتبعها؟ ومتى سيتم الإعلان عن نتائجها؟
لأن المواطن لا يحتاج إلى أن يسمع أن ملفه “أحيل على المصالح المختصة”، بل يريد حلاً، والجالية لا تحتاج إلى طمأنتها بأن الإدارة “منفتحة على التواصل”، بل تحتاج إلى إدارة تجعل التواصل جزءاً دائماً من عملها اليومي.
عبد المومن طالب أمام امتحان يتجاوز 10 غشت
بالنسبة إلى عامل إقليم اليوسفية عبد المومن طالب، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون في إنجاح مناسبة وطنية مقررة سلفاً، وإنما في بناء آلية ترابية دائمة للتواصل مع مغاربة العالم.
فالعمالة التي تنتظر حلول 10 غشت حتى تفتح أبوابها أمام الجالية ستظل أسيرة منطق المناسبات، أما الإدارة الترابية الحديثة، فتقاس بقدرتها على الاستباق، وتتبع الملفات، وتبسيط المساطر، وتوفير المعلومة، وربط المسؤولية بالنتائج.
والسؤال الذي تطرحه “هبة زووم” ليس موجهاً ضد عقد اللقاء، وإنما ضد الاكتفاء به: ماذا بعد 10 غشت؟
هل ستظل الملفات التي طرحتها الجالية مفتوحة فوق مكاتب المصالح؟ هل ستتم متابعة المستثمرين وأصحاب المشاريع؟ هل ستتحول الأروقة التي أقيمت في المناسبة إلى خدمة دائمة؟ وهل ستقدم العمالة حصيلة سنوية بالأرقام حول ما أنجزته فعلياً لفائدة مغاربة العالم؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة.
الجالية ليست جمهوراً للقاءات البروتوكولية
مغاربة العالم ليسوا مجرد ضيوف موسميين على الإدارات الترابية، ولا خزانا للتحويلات المالية، ولا مستثمرين محتملين تتم دعوتهم في المناسبات ثم تترك ملفاتهم لمصيرها داخل دهاليز الإدارة.
إنهم مواطنون مغاربة، لهم حقوقهم، ولهم مصالح ومشاريع وانتظارات، ومن واجب الإدارة أن توفر لهم خدمة عمومية فعالة على مدار السنة.
وإذا كانت الدولة تراهن فعلاً على مغاربة العالم في إنجاح أوراش المغرب 2030، فإن البداية يجب أن تكون من الإدارة المحلية نفسها: إدارة أكثر سرعة، وأكثر شفافية، وأقل بيروقراطية، وأكثر قدرة على حل المشاكل بدل الاكتفاء بشرحها.
أما أن يتم عقد لقاء في 10 غشت، وتُتلى الكلمات، وتُقدم العروض، وتُفتح الأروقة، ثم يعود الجميع إلى مكاتبهم وكأن شيئاً لم يكن، فذلك لن يكون أكثر من طقس بروتوكولي جميل الصورة، محدود الأثر.
واليوسفية، مثل باقي الأقاليم، تحتاج إلى نتائج لا إلى مناسبات، وإلى إدارة تشتغل طوال السنة لا إدارة تستفيق في موعد محدد من التقويم.
فإذا كان شعار المرحلة هو إشراك مغاربة العالم في أوراش المغرب 2030، فإن السؤال البسيط الذي ينبغي أن يوجه إلى عامل الإقليم وكل المسؤولين المحليين هو: ماذا فعلتم فعلياً للجالية خلال السنة؟
والجواب لن يكون في الكلمات التي ألقيت يوم 10 غشت، بل في الملفات التي حُلّت، والمشاريع التي أُنجزت، والاستثمارات التي استقطبت، والمساطر التي بُسّطت، والمشاكل التي لم تعد تتكرر.
هناك فقط يمكن الحديث عن خدمة حقيقية لمغاربة العالم، أما غير ذلك، فسيظل مجرد احتفال سنوي ينتهي بانتهاء التصفيق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد