تنغير: العطش يخرج الساكنة إلى الشارع ومسيرة بالحمير والبغال تفضح عجز التدبير وتضع العامل إسماعيل هيكل في قفص المساءلة
هبة زووم – تنغير
لم يعد العطش في عدد من دواوير جماعة تغزوت نايت عطا بإقليم تنغير مجرد مشكل عرضي يمكن تبريره بعطب تقني أو ظرف استثنائي، بل تحول إلى عنوان صارخ لفشل تدبير أزمة من أبسط الأزمات التي يفترض أن تكون السلطات قادرة على استباقها وحلها: توفير الماء الصالح للشرب للمواطنين.
فبداية الأسبوع الجاري، اضطر عشرات المواطنين المتضررين إلى الخروج في مسيرة احتجاجية في اتجاه مقر الجماعة، بعد أن أعياهم الانتظار أمام استمرار الانقطاعات المتكررة للماء، في وقت تعرف فيه المنطقة ارتفاعاً في درجات الحرارة وتزايداً كبيراً في الحاجة إلى هذه المادة الحيوية.
ولم يكن المشهد عادياً أو مجرد احتجاج عابر. مواطنون يقطعون مسافات طويلة مشياً على الأقدام، مستعينين بالحمير والبغال، بحثاً عن قطرة ماء، في صورة تختزل حجم المعاناة وتطرح أسئلة ثقيلة حول واقع التنمية والتدبير الترابي بإقليم تنغير.
هذا، ورفع المحتجون شعارات تطالب بحقهم البسيط في التزود بالماء الصالح للشرب، ونددوا بما وصفوه بسياسة الآذان الصماء التي تنهجها الجهات الإقليمية والمحلية والمنتخبة تجاه معاناتهم.
والمثير في هذه القضية أن الأمر لا يتعلق بمطلب ترفيهي أو مشروع ثانوي يمكن تأجيله إلى إشعار آخر، وإنما يتعلق بالماء، أي بأبسط شروط الحياة والكرامة الإنسانية.
فكيف يمكن الحديث عن التنمية الترابية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، في وقت يضطر فيه سكان دواوير بإقليم تنغير إلى تنظيم مسيرات احتجاجية والتنقل بالحمير والبغال من أجل المطالبة بالماء؟
وأين كانت السلطات المختصة قبل أن يصل الاحتقان إلى الشارع؟ وهل كان من الضروري أن يعطش الناس وأن يقطعوا الكيلومترات وأن تتحول معاناتهم إلى صور وشعارات حتى ينتبه المسؤولون إلى وجود أزمة؟
ما يقع اليوم في تغزوت نايت عطا يعيد إلى الواجهة سؤال تدبير الشأن الإقليمي ومسؤولية عامل إقليم تنغير، إسماعيل هيكل، الذي يجد نفسه مجدداً أمام احتجاج اجتماعي مرتبط بمطلب أساسي.
فبعد سنوات من تعيينه على رأس الإدارة الترابية بالإقليم، يبدو أن الاحتجاجات لم تتوقف، وأن عدداً من الملفات الاجتماعية والتنموية ما يزال يعود إلى الواجهة في كل مرة، من الماء إلى الطرق والخدمات الأساسية.
وإذا كانت وظيفة الإدارة الترابية لا تقتصر على انتظار انفجار الأزمات ثم التحرك لاحتوائها، فإن المطلوب هو الاستباق والتتبع والتنسيق ومحاسبة كل جهة تقصر في أداء واجباتها.
أما أن يصبح خروج المواطنين إلى الشارع هو الوسيلة الوحيدة للحصول على حقهم في الماء، فإن ذلك يعني أن هناك خللاً حقيقياً في منظومة التدبير، وأن لغة الاجتماعات والتقارير لم تعد كافية لإخفاء واقع المعاناة.
إن ما تحتاجه ساكنة الدواوير المتضررة ليس البلاغات ولا الوعود الموسمية ولا لجاناً تزور المنطقة بعد انتشار الاحتجاجات، بل حلاً عاجلاً ومستداماً يضمن حق السكان في التزود المنتظم بالماء الصالح للشرب.
كما أن هذه الأزمة تفرض فتح تحقيق جدي في أسباب استمرار الانقطاعات، وتحديد المسؤوليات بين مختلف المتدخلين، من الجماعة والسلطات المحلية والإقليمية إلى المؤسسات المكلفة بتدبير قطاع الماء.
لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يمكن أن يكون قدراً محتوماً على ساكنة تعيش تحت وطأة الحرارة والعطش، بينما يفترض أن تكون الدولة بمختلف مؤسساتها قادرة على ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
فمشهد مواطنين يسيرون لمسافات طويلة، مستعينين بالحمير والبغال بحثاً عن الماء في سنة 2026، ليس مجرد خبر محلي عابر، بل صورة قاسية لفشل تدبيري يجب أن يستفز المسؤولين قبل أن يستفز الرأي العام.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً اليوم هو: متى ستتحرك السلطات لحل أزمة العطش بشكل نهائي؟ ومتى سيتحول تدبير الأزمات في تنغير من رد فعل بعد الاحتجاج إلى سياسة استباقية تمنع وصول المواطنين أصلاً إلى الشارع؟