هبة زووم – حسون عبدالعالي
قد يبدو المشروع العمومي، في كثير من الأحيان، دليلاً على أن العقار الذي أقيم فوقه أصبح جزءاً من النسيج المؤسساتي للمدينة، لكن الواقع القانوني قد يكون أكثر تعقيداً من المشهد الميداني.
فماذا يحدث عندما تقيم جماعة ترابية مشروعاً استثمارياً أو مرفقاً عمومياً فوق عقار تملك فيه حصة شائعة، بينما يملك باقي الحصص أشخاص خواص، ويستمر المشروع في الاستغلال لسنوات دون حسم نهائي للوضعية العقارية؟
هنا لا يتعلق الأمر بمجرد نزاع حول الأرض، وإنما بإشكالية متعددة الأبعاد ترتبط بالسند العقاري، وحقوق الشركاء، ومشروعية استمرار الاستغلال، والمسؤولية المالية المحتملة، ومدى قدرة الجماعة على حماية مركزها القانوني في الحاضر والمستقبل.
في العقار المشاع، لا تعني حيازة الجماعة لحصة معينة أنها أصبحت مالكة منفردة لكامل الوعاء العقاري، فالشريك في الملك يملك حقاً عينياً في حدود حصته، فيما تظل باقي الحصص مملوكة لباقي الشركاء.
وفي العقار المحفظ، تكتسي البيانات المضمنة بالرسم العقاري أهمية مركزية، كما أن التصرفات والوقائع المنشئة أو الناقلة أو المغيرة للحقوق العينية تخضع، من حيث الأصل، للتقييد بالرسم العقاري.
ومن ثم، فإن استمرار مشروع عمومي فوق كامل العقار لا يؤدي تلقائياً إلى تحويل حصة الجماعة إلى ملكية كاملة، كما أن مرور سنوات على الاستغلال لا ينبغي أن يُفهم، بمجرده، على أنه حسم للوضعية العقارية.
وهنا تبدأ أولى حلقات الإشكال: هل يوجد سند قانوني يغطي استغلال كامل العقار، أم أن المشروع قائم فوق حصة الجماعة فقط بينما ظلت حقوق باقي الشركاء خارج التسوية؟
ومن الأخطاء التي قد تقع في معالجة مثل هذه الملفات اعتبار عدم اعتراض الشركاء الخواص لسنوات طويلة دليلاً كافياً على تخليهم عن حقوقهم.
لكن الحقوق العينية العقارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ، لا يمكن التعامل معها بمنطق الانطباعات أو السكوت وحده، بل يجب الرجوع إلى الرسم العقاري والتصرفات والعقود والأحكام والتقييدات ذات الصلة.
ولهذا فإن أي محاولة لتسوية الوضعية تبدأ، بالضرورة، من سؤال أكثر بساطة: من هم أصحاب الحقوق المقيدون؟ وما هي حصصهم؟ وما طبيعة الحقوق المرتبة على العقار؟ فالجواب غير الدقيق عن هذه الأسئلة قد يجعل أي قرار لاحق عرضة لمنازعة جديدة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تكون الحصص الخاصة قد انتقلت عبر عدة أجيال بواسطة الإرث، فقد تتغير تركيبة أصحاب الحقوق بمرور الزمن، وقد لا تكون الوضعية الواقعية متطابقة دائماً مع الصورة التي تتعامل معها الإدارة في وثائقها الداخلية.
لذلك، فإن أي تسوية جادة تحتاج إلى تحيين دقيق للتركيبة العقارية وتحديد أصحاب الحقوق الفعليين وحصصهم، ثم مطابقة هذه المعطيات مع الرسم العقاري وباقي الوثائق القانونية.
ولا يمكن بناء قرار سليم على افتراضات قديمة أو بيانات ناقصة، لأن الخطأ في تحديد أحد الشركاء أو مقدار حصته يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نزاع مستقل حول صحة التسوية نفسها.
فوجود مشروع عمومي فوق العقار يطرح في حد ذاته سؤالاً حساساً: هل المصلحة العامة وحدها تكفي لتجاوز حقوق الشركاء؟ الجواب ليس بهذه البساطة.
فالمصلحة العامة قد تبرر، في إطار القانون، استعمال آليات خاصة لتجميع الحقوق اللازمة لإنجاز مشروع معين، ومن بينها نزع الملكية للمنفعة العامة وفق الشروط والمساطر المحددة قانوناً. والقانون رقم 7.81 يجعل نزع الملكية مرتبطاً بإعلان المنفعة العامة وبالمسطرة القضائية والتعويض عن الحقوق المنزوعة.
لكن وجود مشروع عمومي لا يعني تلقائياً أن حقوق الشركاء الآخرين قد زالت أو انتقلت إلى الجماعة، وهنا يجب التمييز بين المشروع الذي أقيم في الماضي وبين المسطرة القانونية التي قد يتم اللجوء إليها مستقبلاً لتسوية الملكية.
قد يبدو نزع الملكية حلاً سهلاً عندما يتعلق الأمر بمشروع قائم فوق عقار مشاع، لكنه ليس آلية تلقائية لتصحيح كل الاختلالات السابقة، فإذا اختارت الجهة صاحبة المشروع سلوك مسطرة نزع الملكية، فإنها تدخل في مسار قانوني محدد يقوم على إعلان المنفعة العامة والإجراءات المقررة ونقل الملكية بحكم قضائي وتحديد التعويضات وفق القانون.
لكن هذا المسار اللاحق لا يعني، من حيث المبدأ، أن كل ما سبق إليه المشروع من استغلال قد أصبح سليماً بأثر رجعي، فلكل مرحلة زمنية وقائعها وتكييفها القانوني، وقد تثار بشأن الاستغلال السابق مسائل مختلفة بحسب طبيعة الحقوق والعقود والقرارات والوقائع المثبتة، فليس نزع الملكية بالضرورة هو الخيار الأول في كل حالة.
فإذا كان الشركاء مستعدين للتسوية، فقد يكون الاقتناء الرضائي للحصص أو إجراء القسمة، متى كانت ممكنة قانوناً ومادياً، من الآليات التي تستحق الدراسة قبل الانتقال إلى مساطر أكثر تعقيداً.
وتنظم مدونة الحقوق العينية قواعد القسمة، بما في ذلك القسمة العينية عندما تكون ممكنة، مع فرز الحصص وتكوين الأنصبة وفق الإجراءات القانونية والتقنية المعتمدة.
لكن اختيار الآلية لا يمكن أن يكون موحداً في جميع الحالات، لأنه يرتبط بطبيعة العقار وموقعه ومساحته، وقابلية القسمة، ونوع المشروع، وحجم حصص الشركاء، وكلفة التسوية، ومدى استعداد أصحاب الحقوق للتفاوض.
ومن أخطر جوانب تأجيل تسوية العقار المشاع البعد المالي، فكلما طال أمد بقاء المشروع فوق وضعية عقارية غير محسومة، أصبحت احتمالات النزاع أكبر، وقد ترتفع كلفة التسوية المستقبلية بحسب طبيعة الحقوق والوقائع الثابتة والآليات التي سيتم اختيارها.
وهنا لا ينبغي أن يُفهم التأجيل باعتباره حماية لمصالح الجماعة؛ فقد يؤدي، على العكس، إلى جعل الملف أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تغير أصحاب الحقوق أو ارتفعت قيمة العقار أو توسع المشروع أو تراكمت مطالب مرتبطة بالاستغلال السابق، ومن ثم، فإن ترك الملف مفتوحاً ليس بالضرورة أقل كلفة من تسويته.
المعالجة الرشيدة لمثل هذه الحالات تبدأ قبل أي قرار جديد، بإجراء افتحاص عقاري وقانوني شامل، ويفترض أن يشمل ذلك مراجعة الرسم العقاري، وتحديد جميع أصحاب الحقوق، وحصر حصصهم، وتتبع الانتقالات الإرثية والتصرفات السابقة، ومطابقة الوضعية القانونية مع الوضعية المادية للمشروع، ثم تحديد طبيعة السند الذي تستند إليه الجماعة في استغلال العقار.
بعد ذلك فقط يمكن دراسة الخيارات المتاحة: اتفاق رضائي، اقتناء الحصص، قسمة، تسوية تعاقدية، أو اللجوء إلى الآليات القانونية الأخرى التي يتيحها التشريع بحسب طبيعة المشروع والحقوق المعنية.
في النهاية، لا تكفي استمرارية المشروع العمومي لإثبات نجاح تدبيره، فالمشروع الناجح هو الذي يستمر فوق أرضية قانونية وعقارية سليمة، تحمي المال العام، وتصون حقوق الجماعة، وتحترم حقوق الشركاء، وتمنع تحول الملفات المؤجلة إلى منازعات قضائية وأعباء مالية في المستقبل.
والرسالة الأهم في هذا النوع من الملفات بسيطة: الواقع المادي لا يغني عن السند القانوني، والمشروع العمومي لا يعفي من تسوية الملكية، وحسن النية لا يحل محل الوثيقة العقارية.
فإذا كان المشروع قائماً، فإن المطلوب ليس هدمه أو تعطيل الاستثمار بالضرورة، وإنما ضمان استمراره على أساس قانوني واضح، لأن الاستثمار العمومي الحقيقي لا يقاس فقط بما بُني فوق الأرض، وإنما أيضاً بسلامة الحق الذي بُني فوقه، وبالطريقة التي صُونت بها حقوق المال العام والغير في آن واحد.
تعليقات الزوار