رئيس الجماعة بين السلطة التنظيمية وضمان حياد الإدارة

هبة زووم – حسون عبدالعالي
ليست كل اختلالات الحكامة المحلية مرتبطة بضعف الموارد المالية أو محدودية الاختصاصات، بل إن جزءاً مهماً منها يتولد من داخل الإدارة الجماعية نفسها، عندما تتحول السلطة التنظيمية المخولة لرئيس الجماعة من وسيلة لضمان حسن سير المرفق العمومي إلى أداة لتركيز القرار وإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المؤسسة.
فالقانون التنظيمي رقم 113.14 منح رئيس الجماعة صلاحيات واسعة في تدبير الإدارة الجماعية وتنظيمها، باعتباره المسؤول عن تنفيذ مقررات المجلس، وتسيير المصالح الإدارية، وضمان السير العادي للمرافق العمومية المحلية. غير أن اتساع هذه الصلاحيات يجعل حسن ممارستها رهيناً باحترام مبادئ الحكامة الجيدة، والحياد الإداري، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي المبادئ التي كرسها دستور 2011.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن التوفيق بين ضرورة تمكين رئيس الجماعة من ممارسة سلطته التنظيمية بكفاءة، وبين حماية الإدارة الجماعية من أن تتحول إلى مجال للتدافع السياسي أو منطق الولاءات؟
لقد قامت اللامركزية الترابية على نقل جزء من السلطة إلى الجماعات المنتخبة، لكن هذا النقل لم يكن يعني أبداً نقل المركزية من الدولة إلى شخص رئيس الجماعة.
فالغاية من الإصلاح الترابي كانت بناء إدارة محلية حديثة، تقوم على المهنية والاستمرارية، وتستند إلى الكفاءة باعتبارها معياراً في توزيع المسؤوليات وتدبير الموارد البشرية.
غير أن الممارسة في بعض الجماعات تكشف، بين الفينة والأخرى، عن اختلالات مرتبطة بطريقة استعمال السلطة التنظيمية، سواء من خلال تغييرات متكررة في توزيع المهام، أو تهميش بعض الكفاءات، أو إضعاف أدوار الأطر الإدارية لصالح منطق القرب من مركز القرار. ومتى أصبحت الاعتبارات الشخصية أو السياسية مؤثرة في تدبير الموارد البشرية، فإن المرفق العمومي يكون أول المتضررين.
ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على الجانب الإداري، بل يمتد إلى المناخ المهني داخل الجماعة. فالإدارة التي يشعر موظفوها بأن معيار التقدير هو الولاء لا الكفاءة، تصبح أقل قدرة على المبادرة والإبداع، وتسودها ثقافة التحفظ بدل ثقافة الاقتراح، والخوف من اتخاذ القرار بدل تحمل المسؤولية.
وفي المقابل، فإن الإدارة التي تُصان فيها مكانة الكفاءة والخبرة تكون أكثر قدرة على ضمان استمرارية المرفق العمومي، بغض النظر عن تغير المجالس المنتخبة.
كما يطرح هذا الواقع إشكالية الرقابة على ممارسة السلطة التنظيمية. فالمجلس الجماعي يمارس رقابة سياسية على تدبير الشأن المحلي، غير أن التفاصيل المرتبطة بالتنظيم الإداري تبقى في جزء كبير منها من اختصاص رئيس الجماعة، وهو ما يجعل الرقابة على كيفية تدبير الموارد البشرية محدودة ما لم تُفعَّل آليات التقييم والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يمكن إعفاء الأحزاب السياسية من مسؤوليتها في هذا المجال. فالأحزاب التي تُفترض فيها تربية المنتخبين على قيم الحكامة والديمقراطية الداخلية مطالبة أيضاً بترسيخ ثقافة احترام الإدارة باعتبارها مؤسسة عمومية في خدمة الجميع، لا امتداداً للأغلبية السياسية أو أداة لتصفية الخلافات.
أما القضاء الإداري، فرغم أهميته في حماية المشروعية، فإنه يتدخل غالباً بعد صدور القرار الإداري والطعن فيه، أي بعد وقوع الأثر القانوني. ولذلك، فإن الرقابة القضائية، على أهميتها، لا تغني عن ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من السلطة التنظيمية وسيلة لتطوير الأداء الإداري، لا أداة لبسط النفوذ.
إن قوة رئيس الجماعة لا تُقاس باتساع صلاحياته فحسب، وإنما بحسن توظيفها في خدمة المرفق العام. فالرئيس الناجح هو من يستطيع بناء إدارة مهنية، مستقرة، ومحفزة على العطاء، تجعل من القانون مرجعيتها، ومن الكفاءة معيارها، ومن خدمة المواطن غايتها.
وفي النهاية، فإن مستقبل الحكامة المحلية لن يتحدد بسن قوانين جديدة بقدر ما سيتحدد بمدى احترام روح القوانين القائمة. فالسلطة التنظيمية ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية دستورية وإدارية، وكلما مورست في إطار الشفافية والموضوعية واحترام الكفاءات، تحولت إلى رافعة للتنمية المحلية. أما إذا استُخدمت بمنطق النفوذ والولاءات، فإنها تفقد وظيفتها الإصلاحية، وتتحول إلى أحد أسباب إضعاف الإدارة وتعثر المرفق العمومي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد