هبة زووم – ميدلت
ليست مغادرة النائب البرلماني عن إقليم ميدلت، مروان شبعتو، لحزب التجمع الوطني للأحرار والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة مجرد خبر عادي في سوق الانتقالات السياسية الذي يزداد سخونة كلما اقترب موعد الانتخابات، فالبلاغ الطويل الذي اختار من خلاله تبرير قراره يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد خلاف تنظيمي أو اتصال هاتفي لم يتلق صاحبه جواباً.
شبعتو يقول إن قراره لم يكن وليد لحظة غضب، ولا نتيجة خلاف شخصي، وإنما ثمرة «تراكمات» مرتبطة بما اعتبره ضعف الاهتمام بإقليم ميدلت وعدم قدرته على الترافع عن ملفات المواطنين والمهنيين. وهي مبررات سياسية تستحق الاستماع، لكنها في الوقت نفسه تفرض سؤالاً مشروعاً: أين كانت هذه التراكمات طوال السنوات التي قضاها الرجل داخل الحزب الذي قرر اليوم مغادرته؟
هل كان تهميش ميدلت جديداً إلى هذا الحد؟ وهل اكتشف النائب البرلماني فجأة أن الإقليم لا يحظى بالاهتمام الكافي إلا بعد أن أصبح الاستمرار داخل التجمع الوطني للأحرار غير مناسب لمساره السياسي؟
الأمر هنا لا يتعلق بالطعن في صدق الرجل أو نواياه، وإنما بمساءلة التوقيت السياسي. فالاستقالات والانتقالات الحزبية، خصوصاً قبيل الاستحقاقات الانتخابية، لا يمكن فصلها عن الحسابات الانتخابية وإعادة ترتيب المواقع والتحالفات والرهانات المستقبلية.
ومن حق شبعتو أن يغير الحزب الذي ينتمي إليه، كما أن من حقه البحث عن فضاء سياسي يعتقد أنه أكثر قدرة على احتضان مشروعه. لكن من حق المواطنين أيضاً أن يسألوا: هل تغير الحزب فعلاً من أجل ميدلت، أم أن ميدلت أصبحت الحجة السياسية التي تبرر تغيير الحزب؟
في بلاغه، جعل شبعتو من ملف الصناعة التقليدية “القطرة التي أفاضت الكأس”، بعدما تحدث عن محاولاته المتكررة للتواصل مع كاتب الدولة المكلف بالقطاع، دون تلقي جواب، وفق روايته، وذلك بهدف ترتيب لقاء مع مهنيين من الإقليم.
لكن هل يعقل أن تتحول صعوبة ترتيب لقاء مع مسؤول حكومي إلى سبب سياسي كافٍ لمغادرة حزب والانتقال إلى حزب منافس؟ أم أن هذا الملف ليس سوى آخر حلقات سلسلة من الخلافات التي لم يتم الكشف عن تفاصيلها كاملة؟
الأخطر في القضية هو أن البرلماني نفسه يضع، من حيث يدري أو لا يدري، صورة المؤسسة السياسية في موقف محرج. فإذا كان نائب برلماني يجد صعوبة، حسب روايته، في إيصال ملفات مواطنين إلى مسؤول حكومي ينتمي إلى الحزب نفسه، فماذا عن المواطن البسيط الذي لا يملك صفة برلمانية ولا شبكة علاقات ولا منبراً سياسياً؟
هنا يصبح السؤال موجهاً أيضاً إلى حزب التجمع الوطني للأحرار: هل كانت هناك فعلاً اختلالات في التواصل مع ممثلي الإقليم؟ وهل كان ميدلت يعاني من ضعف الحضور الحكومي والحزبي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خلافاً سياسياً عادياً تم تضخيمه بعد اتخاذ قرار المغادرة؟
لكن الانتقال إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة براءة تلقائية للوجهة الجديدة. فالبام ليس عصاً سحرية، وتغيير اللون السياسي لا يعني بالضرورة تغيير واقع الإقليم.
ميدلت اليوم لا تحتاج إلى برلماني يغير الشعار الحزبي كلما ضاقت حسابات الحزب القديم، بل تحتاج إلى منتخب قادر على فرض ملفاتها، سواء كان داخل الأغلبية أو المعارضة، داخل الحزب الكبير أو الصغير.
فإذا كان شبعتو يرى أن الموقع السياسي لا قيمة له عندما يعجز صاحبه عن خدمة المواطنين، فإن هذا الكلام يجب أن يتحول الآن إلى التزام قابل للقياس والمحاسبة.
بعد انتقاله إلى الأصالة والمعاصرة، لن يكون من المقبول أن يستمر الحديث عن العجز أو التهميش أو غياب الإنصات باعتبارها شماعة دائمة. فقد اختار الرجل بنفسه فضاءً سياسياً جديداً، وبالتالي سيكون مطالباً بإثبات أن قراره لم يكن مجرد انتقال في “الميركاتو السياسي” الذي يسبق الانتخابات، بل خطوة حقيقية من أجل الدفاع عن مصالح ميدلت.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً إن كان نائبه يحمل شعار الحمامة أو الجرار أو غيرهما. ما يعنيه هو الطريق التي لم تُصلح، والمستشفى الذي لا يقدم الخدمة المطلوبة، والشباب الذي يبحث عن الشغل، والقطاعات المهنية التي تنتظر من يسمع صوتها.
أما البلاغات الطويلة وتبريرات الرحيل وخطابات “الالتزام بخدمة الإقليم”، فقد أصبحت لغة مألوفة في كل موسم انتخابي، ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لمروان شبعتو يبدأ الآن، لا من لحظة نشر بلاغ مغادرة التجمع الوطني للأحرار.
فبعد أن قال إن إقليم ميدلت كان أساس مساره السياسي، سيظل السؤال معلقاً أمامه: **ماذا سيتغير فعلاً بالنسبة لميدلت بعد انتقاله إلى الأصالة والمعاصرة؟
لأن تغيير الحزب لا يساوي بالضرورة تغيير الواقع، والناخبون الذين استمعوا بالأمس إلى خطاب الدفاع عن التجمع الوطني للأحرار، ثم يسمعون اليوم خطاب الانتقال إلى الأصالة والمعاصرة، لهم كامل الحق في المطالبة بأكثر من الشعارات.
لهم الحق في معرفة ما الذي تغير بالضبط، هل تغير الحزب؟ أم تغيرت الحسابات؟ أم تغيرت فقط الخريطة الانتخابية؟ ذلك هو السؤال الذي سيبقى مطروحاً، ليس فقط على مروان شبعتو، بل على كل السياسيين الذين يكتشفون فجأة، مع اقتراب الانتخابات، أن الحزب الذي ظلوا يدافعون عنه لم يعد قادراً على تحقيق طموحاتهم.
فالسياسة ليست مجرد تغيير للقميص الحزبي، والمواطن لم يعد مطالباً بالتصفيق لكل انتقال سياسي يُقدم له تحت عنوان “خدمة الإقليم”.
ميدلت لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى حصيلة، ولا تحتاج إلى “ميركاتو” سياسي، بل إلى منتخبين يعرفون أن المقعد البرلماني ليس ملكية حزبية متنقلة، وإنما أمانة ومساءلة أمام المواطنين.
وبين “الحمامة” و”الجرار”، يبقى السؤال الأهم: من سيحرث فعلاً أرض ميدلت بالمشاريع والنتائج، ومن سيكتفي بتغيير الشعارات قبل التوجه من جديد إلى صناديق الاقتراع؟
تعليقات الزوار