ردا على طريقة تدبير تزكية اللائحة الجهوية.. كتاب فروع تنغير ينسحبون ويحمّلون نبيل بنعبد الله المسؤولية
هبة زووم – تنغير
يبدو أن أزمة الثقة داخل حزب التقدم والاشتراكية بجهة درعة تافيلالت لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر أو خلاف عابر حول تدبير بعض الملفات التنظيمية، بعدما اختار كتاب عدد من فروع الحزب بإقليم تنغير الخروج بشكل جماعي ونهائي من مختلف هياكله ومؤسساته، في خطوة تصعيدية تضع القيادة الوطنية، والأمين العام للحزب، أمام واحد من أكثر الاختبارات التنظيمية والسياسية إحراجاً خلال المرحلة الحالية.
الاستقالات، وفق بيان صادر عن المعنيين، لم تأتِ نتيجة خلاف شخصي أو ظرفي، وإنما جاءت، بحسب أصحابها، بعد تراكم ما وصفوه بممارسات أضعفت الديمقراطية الداخلية، وضربت مبدأ الاستحقاق، وأفقدت القاعدة التنظيمية الثقة في قدرة القيادة على تدبير الاختلافات والملفات الانتخابية بمنطق المؤسسات والمعايير المعلنة.
وإذا كانت الأحزاب السياسية تقاس بقوة حضورها في الشارع وبقدرتها على إنتاج النخب وتجديد هياكلها، فإن ما يحدث داخل أحد أقاليم درعة تافيلالت يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا تبقى من التنظيم الحزبي عندما يشعر كتاب الفروع بأن صوت القاعدة لم يعد مسموعاً داخل القيادة؟
من إعادة البناء إلى إعلان الانسحاب
المستقيلون قالوا إنهم انخرطوا بحسن نية في مشروع الحزب، وساهموا في إعادة بناء تنظيمه وتقوية حضوره بالإقليم والجهة، قبل أن يصطدموا، حسب روايتهم، بسلسلة من الانتكاسات التنظيمية والسياسية.
وأشاروا إلى أن بداية الخلاف تعود إلى انتخابات سنة 2021، قبل أن يتكرر السيناريو، وفق البيان نفسه، خلال السنة الحالية في ورزازات وزاكورة، معتبرين أن تدبير بعض الملفات الانتخابية والتنظيمية أجهض، في نظرهم، مشروعاً كان يمكن أن يعيد للحزب حضوراً أقوى بجهة درعة تافيلالت، لكن يبدو أن ملف التزكية الجهوية كان النقطة التي كسرت ما تبقى من جسور الثقة.
فالمستقيلون يتهمون القيادة الوطنية، بحسب ما ورد في بيانهم، بمحاولة منح التزكية لطرف لا يرأس الحزب في الإقليم، ولا يتوفر، وفق روايتهم، على نفس الرصيد التنظيمي الذي يتوفر عليه مناضلو الفروع. وهي اتهامات خطيرة، إن صحت، لأنها لا تتعلق فقط باسم مرشح أو ترتيب لائحة، وإنما تمس جوهر السؤال الديمقراطي داخل الأحزاب: هل تصنع القواعد المرشحين، أم تصنعهم مكاتب مغلقة ثم يُطلب من القواعد التصفيق والانتخاب؟
“ماكينات للأصوات”.. العبارة التي تختصر حجم الغضب
من أكثر العبارات دلالة في بيان الاستقالة وصف القيادة للمناضلين، وفق المستقيلين، وكأنهم تحولوا إلى “مجرد ماكينات لانتخاب الأصوات”، هذه العبارة، بصرف النظر عن موقف القيادة منها، تكشف حجم المرارة التي بلغتها العلاقة بين بعض القواعد المحلية والقيادة الوطنية.
فالمناضل الذي يقضي سنوات في بناء التنظيم، واستقطاب المواطنين، والدفاع عن خطاب الحزب، وخوض الانتخابات، وتحمل كلفة الحضور السياسي في الميدان، لا يمكن أن يقبل بسهولة بأن يتحول دوره، في لحظة الحسم الانتخابي، إلى مجرد رقم انتخابي.
وهنا تحديداً تكمن المعضلة التي تواجه الأحزاب المغربية: هل المناضل شريك في صناعة القرار، أم مجرد أداة لإنتاج الأصوات يوم الاقتراع؟
فإذا كانت القاعدة لا تُستشار إلا عندما يحين موعد الانتخابات، وإذا كانت التزكيات تحسم بعيداً عن هياكلها، فإن الحديث عن الديمقراطية الداخلية يصبح، بالنسبة إلى كثير من المناضلين، مجرد شعار جميل يُرفع في المؤتمرات ولا يصمد أمام أول اختبار انتخابي.
القيادة مطالبة بالجواب
الأكثر حساسية في هذه القضية أن الاتهامات لم تأت من خصوم سياسيين أو منابر منافسة، وإنما من مسؤولين حزبيين محليين أعلنوا استقالتهم الجماعية من التنظيم، وهذا يمنح القضية وزناً سياسياً وتنظيمياً لا يمكن اختزاله في مجرد “خلاف داخلي”.
فالقيادة الوطنية مطالبة اليوم بتقديم روايتها للرأي العام والحزبيين، ليس فقط لنفي الاتهامات، وإنما لتوضيح المعايير التي تم اعتمادها في تدبير التزكيات، وكيف جرى احترام المؤسسات الحزبية، وما إذا كانت المقترحات المحلية قد حظيت فعلاً بالمناقشة والاعتبار.
كما أن السؤال لا يخص الأمين العام وحده، بل يمتد إلى المكتب السياسي وباقي الأجهزة التنظيمية: هل كانت قرارات التزكية نتيجة مسطرة مؤسساتية واضحة وشفافة، أم أن الاعتبارات السياسية والحسابات الانتخابية فرضت نفسها على حساب رأي القواعد؟
درعة تافيلالت.. مرة أخرى في مرمى الأزمة
ليست جهة درعة تافيلالت بحاجة إلى مزيد من التنظيمات السياسية التي تعيش على وقع الانقسامات والصراعات الداخلية.
الجهة تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية واجتماعية ومجالية كبيرة، وتحتاج إلى أحزاب قوية قادرة على تأطير المواطنين وإنتاج بدائل سياسية حقيقية، لا إلى تنظيمات تستنزف طاقتها في معارك التزكيات والخلافات الداخلية.
والأخطر أن فقدان القيادات المحلية قد لا يتوقف عند حدود الاستقالات، بل قد يمتد إلى القدرة الانتخابية للحزب نفسه، خصوصاً إذا كان المستقيلون يتوفرون على شبكات تنظيمية وعلاقات ميدانية راكمت عبر سنوات.
فالأصوات الانتخابية لا تولد في مكاتب القيادة المركزية، ولا تُستورد من الرباط إلى تنغير وورزازات وزاكورة. إنها تُبنى في الأحياء والقرى والدواوير، ويصنعها مناضلون يعرفون الناس ويعرفون مشاكلهم ويخوضون معهم الانتخابات وجهاً لوجه.
هل تتحول التزكيات إلى “مسمار آخر” في نعش الثقة؟
ما وقع بإقليم تنغير يضع حزب التقدم والاشتراكية أمام سؤال يتجاوز أسماء المستقيلين والتزكية الجهوية، إنه سؤال حول مستقبل العلاقة بين القيادة والقاعدة، وحول معنى الديمقراطية الداخلية في زمن أصبحت فيه الانتخابات أكثر تعقيداً، وأصبح الناخب أكثر قدرة على التمييز بين المرشح الذي يعيش قضايا منطقته وبين من يظهر فقط عند اقتراب موعد الاقتراع.
وفي انتظار ما ستقوله القيادة الوطنية، فإن الاستقالة الجماعية لكتاب فروع الحزب ليست خبراً تنظيمياً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، إنها إشارة إنذار.
والسياسة الحزبية التي لا تنتبه إلى إشارات الإنذار في وقتها قد تجد نفسها، يوم الانتخابات، أمام فاتورة أكبر بكثير من فاتورة استقالة بضعة كتاب فروع.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيحصل على التزكية؟ بل: من سيبقى بعد التزكية؟ ومن سيحمل الحملة الانتخابية على الأرض؟ ومن سيقنع الناخب بأن الحزب يحترم مناضليه، إذا كان بعض هؤلاء المناضلين قد اختاروا مغادرته احتجاجاً على طريقة صناعة القرار؟
وفي النهاية، تبقى الكرة في ملعب القيادة الوطنية: إما أن تقدم توضيحات مقنعة وتفتح نقاشاً تنظيمياً مسؤولاً يعيد الثقة إلى القواعد، أو أن تترك الاستقالات تتدحرج وتتحول من حادثة محلية في تنغير إلى أزمة سياسية وتنظيمية أوسع داخل جهة درعة تافيلالت.
فالانتخابات قد تحسمها صناديق الاقتراع، لكن الأزمات الحزبية تبدأ غالباً قبل ذلك بكثير، داخل الغرف التي تُصنع فيها قرارات التزكية.