هبة زووم – تطوان
أعادت عبارة وردت ضمن إحدى فقرات مهرجان “أصوات نسائية” بمدينة تطوان، خلال دورته الأخيرة المنظمة يومي 14 و15 غشت 2026، النقاش حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير الفني من جهة، ومسؤولية المؤسسات المنظمة والممولة من المال العام من جهة أخرى.
الجدل اندلع عقب تداول مقطع من إحدى فقرات المهرجان، تضمن عبارة “اللهم الزهو ولا زواج القهرة”، وهو ما اعتبره عادل بنونة، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة تطوان، مناسبة لطرح أسئلة تتجاوز مضمون العبارة نفسها، لتصل إلى طبيعة الفضاء العمومي، وشروط الدعم العمومي، والمسؤوليات المرتبطة بتنظيم مهرجان يحظى بمساهمة مؤسسة منتخبة.
وفي تدوينة نشرها، شدد بنونة على أن موقفه لا يستهدف حرية الفنان أو الإبداع، مؤكداً أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة دستورياً، لكنه اعتبر في المقابل أن هذه الحرية لا تعفي الجهة المنظمة من المسؤولية عن المضامين التي تقدم أمام جمهور عمومي، ولا تعفي المؤسسات العمومية المساهمة في التمويل من واجب التتبع والحكامة.
ويرتكز النقاش الذي أثاره بنونة على التمييز بين ممارسة الفنان لحريته الإبداعية وبين مسؤولية الجهة التي تختار البرنامج وتبرم العقود وتنظم العرض.
فبحسب هذا الطرح، لا يتعلق الأمر بممارسة رقابة مسبقة على الفن أو بمصادرة حق الفنان في التعبير، وإنما بالسؤال حول المعايير التي تعتمدها المهرجانات العمومية في اختيار برامجها وفنانيها، ومدى مراعاتها لطبيعة الجمهور والفضاء الذي تقدم فيه العروض.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بتظاهرة تستقطب الأسر والأطفال والشباب، ويكون تنظيمها مرتبطاً بمؤسسة منتخبة أو بدعم من المال العام.
واستند بنونة في موقفه إلى المرجعية الدستورية المتعلقة بمكانة الأسرة، مشيراً إلى الفصل 32 من الدستور الذي ينص على أن الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع، فضلاً عن المقتضيات ذات الصلة في مدونة الأسرة.
وبناء على ذلك، يرى أن النقاش حول المضامين الفنية التي تقدم أمام جمهور عمومي لا يمكن فصله، من وجهة نظره، عن البيئة الاجتماعية والقيمية التي يستقبل فيها ذلك المحتوى.
لكن هذا الطرح يفتح بدوره نقاشاً أوسع حول كيفية التوفيق بين احترام الخصوصية الثقافية والقيم الاجتماعية وبين ضمان مساحة واسعة للإبداع الفني والتعبير، خصوصاً في الفضاءات الثقافية والمهرجانات التي يفترض أن تجمع شرائح مختلفة من الجمهور.
الجانب الأكثر حساسية في موقف بنونة يرتبط بالتمويل العمومي، فإذا كانت جماعة تطوان تساهم في تمويل مهرجان “أصوات نسائية” بما يقارب 200 مليون سنتيم سنوياً، بحسب ما أورده في تدوينته، فإنه يعتبر أن رئيس الجماعة مطالب بتقديم توضيحات حول طبيعة هذا الدعم، وأسس منحه، والاتفاقية المبرمة مع الجهة المنظمة، وآليات تتبع تنفيذها.
ويطرح بنونة في هذا السياق مجموعة من الأسئلة المتعلقة بقيمة الدعم وأوجه صرفه، والالتزامات التي تتحملها الجهة المستفيدة، وآليات التتبع والتقييم، ومدى تضمين الاتفاقيات شروطاً واضحة بشأن احترام القانون والنظام العام وطبيعة الفضاء العمومي.
وهذه الأسئلة تكتسي أهمية تتجاوز واقعة المهرجان نفسها، لأن الدعم العمومي يفترض أن يكون مرتبطاً بأهداف واضحة، والتزامات قابلة للتتبع، وآليات للمراقبة والتقييم.
ومن النقاط التي ركز عليها بنونة ضرورة عدم اختزال المسؤولية في الفنان وحده، فالفنان يقدم عرضاً في إطار برنامج لم يضعه بمفرده، بينما تتولى إدارة المهرجان اختيار المشاركين، وإبرام العقود، وضبط البرنامج، وتحديد طبيعة العروض المقدمة للجمهور.
ومن هذا المنطلق، طرح بنونة أسئلة موجهة إلى رئيسة مؤسسة مهرجان “أصوات نسائية”، كريمة ابن يعيش، حول الجهة التي اختارت الفنانة، وكيف تمت المصادقة على مشاركتها، وما إذا كانت طبيعة العرض ومضامينه معروفة مسبقاً، وما إذا كانت هناك لجنة متخصصة في البرمجة ومعايير مكتوبة تراعي طبيعة الجمهور.
وهي أسئلة، بحسب موقف رئيس فريق العدالة والتنمية، لا تهدف إلى محاكمة الإبداع، وإنما إلى تحديد المسؤوليات التنظيمية والإدارية المرتبطة بتظاهرة تستفيد من الدعم العمومي.
وبالنظر إلى انتشار المقطع وتوسع النقاش بشأنه، طالب بنونة بفتح تحقيق إداري ومؤسساتي لتحديد حقيقة ما جرى، والاطلاع على السياق الكامل للعرض، وفحص الاتفاقيات والالتزامات المترتبة عنها، والتأكد من مدى احترام الشروط المنظمة للدعم والتظاهرة.
ولا يعني فتح تحقيق، في حد ذاته، ثبوت وقوع مخالفة، وإنما يمكن أن يكون وسيلة للتحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات، خاصة عندما تكون القضية مرتبطة بتمويل عمومي ومؤسسة منتخبة، وفي حال ثبوت أي إخلال، تبقى الإجراءات القانونية والإدارية المناسبة من اختصاص الجهات المخولة بذلك.
ومن بين المقترحات التي طرحها بنونة أيضاً تقديم اعتذار رسمي للرأي العام من طرف الجهة المنظمة، معتبراً أن ذلك سيكون تعبيراً عن تحمل المسؤولية واحترام الجمهور.
وفي المقابل، يظل تقييم الحاجة إلى الاعتذار أو إلى أي إجراء آخر مرتبطاً بطبيعة الواقعة وبموقف الجهة المنظمة وبمدى اعتبار مضمون العرض متجاوزاً للشروط المتفق عليها أو للسياق الذي قدم فيه.
ويرى بنونة أن النقاش لا ينبغي أن ينتهي بمجرد سجال على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يمكن أن يتحول إلى نقاش مجتمعي أوسع حول العلاقة بين الفن والفضاء العمومي والمال العام.
ويقترح في هذا السياق انخراط الأسر والفاعلين الجمعويين والحقوقيين والمثقفين والفنانين والمنتخبين والإعلاميين والتربويين في نقاش هادئ حول طبيعة المهرجانات التي تحتاجها المدن المغربية، وكيفية الجمع بين حرية الإبداع واحترام الجمهور، وبين دعم الثقافة والفن وضمان الحكامة في الإنفاق العمومي.
وتطرح واقعة تطوان سؤالاً يتجاوز مهرجان “أصوات نسائية” نفسه: ما هي المعايير التي ينبغي أن تحكم التظاهرات الثقافية التي تستفيد من المال العام؟
فالدعم العمومي لا يعني بالضرورة التدخل في المضمون الفني، لكنه يفترض وجود اتفاقيات واضحة، وتدقيقاً في أوجه الصرف، وآليات للتقييم والمراقبة، وتحديداً للمسؤوليات بين الجهة المنظمة والمؤسسة الداعمة.
كما أن حرية التعبير لا تعني بالضرورة غياب المسؤولية عن صاحب العمل أو الجهة التي تقدمه، في حين أن حماية القيم الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى ذريعة لتقييد الإبداع دون سند قانوني واضح.
وتبقى تطوان، بتاريخها الثقافي والفني وانفتاحها الحضاري، أمام فرصة لتحويل هذا الجدل إلى نقاش ناضج حول مهرجانات تحترم حرية الفن، وتحفظ للمؤسسات مسؤوليتها، وتخضع للشفافية في تدبير المال العام، وتراعي في الوقت نفسه طبيعة الجمهور والفضاء العمومي.
وفي نهاية المطاف، فإن القضية لا ينبغي أن تختزل في عبارة قيلت على خشبة، وإنما في سؤال أكبر: كيف نبني ثقافة عمومية تجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الإبداع والحكامة، دون أن يتحول المال العام إلى شيك على بياض، ودون أن تتحول حماية القيم إلى رقابة على الإبداع؟
تعليقات الزوار