هبة زووم – علال الصحراوي
يقول المثل المغربي: “زوق تبيع، وزوق تخلي”، وهي عبارة تبدو مناسبة لوصف المشهد الانتخابي الذي بدأ يتشكل بإقليم تارودانت الجنوبية، وبشكل خاص في جماعة أولاد تايمة، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
ففي الوقت الذي تنشط فيه بعض الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تقديم صورة توحي بأن الطريق إلى المقعد البرلماني أصبحت شبه محسومة، تبدو لغة الواقع الانتخابي أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل تصاعد الأسئلة حول الحصيلة السابقة، ومدى قدرة الأسماء والقيادات الحالية على الحفاظ على قواعدها الانتخابية التي بنت عليها رهانات 2021.
ومن بين الأسماء التي تعود إلى الواجهة في هذا السياق “نادية بوهدود بودلال”، التي أصبحت تحركاتها وتدويناتها محل متابعة داخل الأوساط السياسية والمحلية، خصوصاً مع اقتراب موعد إعادة اختبار الرصيد الانتخابي أمام الناخبين.
فالانتخابات لا تُخاض فقط على أساس ما سيقوله المرشحون غداً، وإنما أيضاً على أساس ما أنجزوه بالأمس، وهذا تحديداً ما بدأ يفرض نفسه في النقاش داخل أولاد تايمة، حيث يطالب عدد من المتابعين بضرورة تقديم حصيلة واضحة للسنوات التي تلت انتخابات 2021، والوقوف على الوعود والمشاريع التي كانت مطروحة أمام الساكنة، وما تحقق منها فعلاً، وما بقي في طور الإنجاز، وما لم ير النور بعد.
وهنا يصبح السؤال أكثر بساطة وأشد إحراجاً في الوقت نفسه: ماذا تحقق على أرض الواقع؟ فالمواطن الذي استمع إلى البرامج والوعود خلال الانتخابات السابقة يملك اليوم الحق في المقارنة بين ما قيل وما أنجز، وبين المشاريع التي تم الإعلان عنها وتلك التي استفادت فعلاً من التنفيذ.
ولا يكفي في هذا السياق تعداد المشاريع أو الإعلان عن المبادرات، بل تظل الأرقام والآجال ونسب الإنجاز والنتائج الملموسة هي اللغة الأكثر إقناعاً للناخب.
وتحظى التدوينات والمنشورات التي تنشرها نادية بودلال على مواقع التواصل الاجتماعي باهتمام محلي، خصوصاً عندما تقدم باعتبارها قناة للتواصل مع سكان المنطقة، غير أن التواصل السياسي في زمن الانتخابات لا يمكن أن يكون في اتجاه واحد.
فإذا كانت الصفحة مخصصة للتواصل مع المواطنين، فإن المواطنين بدورهم يمتلكون حق طرح الأسئلة، ومن بينها الأسئلة المتعلقة بالمشاريع المتعثرة، والملفات العالقة، والالتزامات التي لم تتحقق، وأسباب التأخر في بعض الأوراش.
وهنا يصبح التواصل الحقيقي هو القائم على الأسئلة والأجوبة، وليس فقط على عرض الإنجازات، كما أن أي محاولة لتقديم حصيلة انتخابية يفترض أن تكون مدعومة بالمعطيات الرسمية، حتى يتمكن المواطن من التمييز بين ما أنجز فعلاً وما لا يزال مجرد وعد أو مشروع في طور الدراسة.
الرهان على انتخابات 2021 باعتبارها مرآة مضمونة لانتخابات 2026 قد يكون من أكثر الأخطاء كلفة في السياسة، فالتحالفات تتغير، والوجوه تتغير، والمصالح تتغير، والناخب نفسه يعيد ترتيب أولوياته، وما كان كافياً للفوز قبل خمس سنوات قد لا يكون كافياً اليوم.
وفي تارودانت الجنوبية، كما في غيرها من الدوائر، لم تعد المنافسة الانتخابية مرتبطة فقط بقوة الحزب، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى تماسك قواعده المحلية، وبقوة مرشحيه، وبطبيعة التحالفات، وبدرجة الرضا أو الاستياء التي خلفتها الولاية السابقة.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الحديث عن “نزيف القواعد”، وهو تعبير سياسي يحتاج إلى إثبات ميداني دقيق قبل تحويله إلى حقيقة رقمية أو تنظيمية محسومة.
وتتحدث أوساط محلية عن وجود حالة من التململ داخل بعض التنظيمات الحزبية بالإقليم، وعن احتمال ابتعاد عدد من المناضلين والمستشارين عن الاختيارات الحالية.
لكن حجم هذه التحركات ومدى تأثيرها الحقيقي لا يمكن قياسه بالشائعات أو الأحاديث المتداولة، وإنما بالاستقالات المعلنة، والانتقالات الحزبية الموثقة، والمواقف الرسمية الصادرة عن المعنيين.
ومع ذلك، فإن مجرد انتشار الحديث عن خلافات داخلية يكشف أن المرحلة الانتخابية المقبلة لن تكون سهلة، وأن قيادة أي حزب مطالبة بأن تتعامل مع قواعدها باعتبارها رصيداً لا يقل أهمية عن المرشح نفسه، فالحزب الذي يدخل المعركة وهو يعاني من فتور داخلي قد يخسر جزءاً من طاقته قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية.
وفي كل استحقاق انتخابي تظهر عبارات من قبيل “المقعد مضمون” و”النتيجة محسومة”، لكنها غالباً ما تكون جزءاً من صناعة الانطباع أكثر من كونها قراءة دقيقة للواقع، فالانتخابات لا تعرف المقاعد المضمونة قبل إغلاق صناديق الاقتراع.
وكل حديث عن اكتساح مرتقب يحتاج إلى ما يثبته: شعبية ميدانية، تعبئة تنظيمية، تحالفات فعالة، حصيلة مقنعة، وقدرة على إقناع الناخبين بأن القادم أفضل من السابق.
أما تحويل الحضور في مواقع التواصل الاجتماعي إلى دليل على قوة انتخابية، فهو خلط بين التفاعل الرقمي والقوة الانتخابية؛ وهما ليسا الشيء نفسه.
في النهاية، لن يكون السؤال بالنسبة إلى سكان أولاد تايمة هو عدد المنشورات ولا قوة الدعاية الانتخابية، السؤال سيكون أكثر مباشرة: ماذا تغير في حياتنا؟ ماذا تحقق من الوعود؟ أي مشاريع اكتملت؟ ما الذي تأخر؟ ولماذا؟ وما هي الملفات التي تم الترافع بشأنها فعلاً؟ وما الذي يمكن تقديمه خلال الولاية المقبلة ولم يتم إنجازه خلال الولاية السابقة؟
هذه الأسئلة ليست تشويشاً على أي مرشح، وإنما هي جوهر المحاسبة السياسية، فالناخب لا يذهب إلى صندوق الاقتراع لتكريم الأشخاص، بل لاتخاذ قرار بشأن من يعتقد أنه الأقدر على تمثيله والدفاع عن مصالحه.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن المعركة الانتخابية في تارودانت الجنوبية بدأت مبكراً، ليس من خلال الحملات الرسمية فقط، وإنما عبر معركة الروايات أيضاً: رواية تتحدث عن قوة تنظيمية ومقعد قريب، ورواية أخرى تضع الحصيلة والأداء والقدرة على الحفاظ على القواعد تحت المجهر.
وفي هذه المعركة، ستظل الحقيقة مرتبطة بما يمكن إثباته بالأرقام والوثائق والمواقف الرسمية، لا بما تروجه الصفحات أو ما تتناقله الكواليس.
أما نادية بوهدود بودلال، فأمامها فرصة واضحة لتقديم روايتها كاملة عن تجربتها وحصيلتها ومشاريعها، بعيداً عن لغة الانطباعات، كما أن خصومها مطالبون بدورهم بتقديم بدائل وبرامج وحصائل قابلة للنقاش، بدل الاكتفاء بالنقد، فالانتخابات المقبلة لن تكون مجرد معركة على مقعد، وإنما اختباراً للثقة.
وفي السياسة، يمكن تسويق صورة عن الفوز قبل الاقتراع، لكن الناخب هو وحده من يملك حق إعلان النتيجة، وإذا كانت بعض التزكيات والتحركات الحزبية تزرع أوهام “المقعد المضمون”، فإن صناديق الاقتراع تملك دائماً قدرة استثنائية على إسقاط الأوهام وإعادة الجميع إلى الحقيقة، فالسياسة تبدأ بالوعود، لكنها تنتهي دائماً عند الحصيلة وصندوق الاقتراع.
تعليقات الزوار