بنسعيد يعترف بالتعثرات.. لكن هل يكفي الاعتراف بعد سنوات من الإخفاقات؟

هبة زووم – سيدي بنور
بعد سنوات من المشاركة في تدبير الشأن الحكومي، خرج محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ليقر بأن التجربة الحكومية الحالية لم تكن خالية من التعثرات والاختلالات، وأن بعض الملفات شهدت تقصيرا وفشلا في طريقة التدبير.
اعتراف قد يبدو، في الظاهر، تعبيرا عن ما وصفه بنسعيد بـ«الشجاعة السياسية»، لكنه يفتح في العمق سؤالا أكبر وأكثر إلحاحا: هل يكفي الاعتراف بالأخطاء بعد وقوعها، أم أن المسؤولية السياسية تقتضي تحديد من أخطأ، وكيف أخطأ، ومن أدى ثمن ذلك؟
فالمواطن المغربي لم يكن يعيش داخل النقاشات الحكومية أو الحزبية، بل كان يعيش النتائج مباشرة في السوق، وفي ارتفاع أسعار اللحوم والخضر، وفي تراجع قدرته الشرائية، وفي صعوبة مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
وخلال لقاء تواصلي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بالجماعة القروية أولاد عمران بإقليم سيدي بنور، قال بنسعيد إن حزبه لا يردد أن “العام زين”، معترفا بأن التجربة الحكومية حملت اجتهادات، لكنها حملت أيضا إشكالات وتحديات انعكست على حياة المواطنين.
غير أن هذه العبارة، رغم أهميتها السياسية، تضع الحزب أمام حصيلة خمس سنوات من المشاركة في السلطة. فالمطلوب اليوم ليس فقط الاعتراف بأن “العام لم يكن زينا”، بل توضيح أسباب استمرار عدد من الأزمات التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للمغاربة.
حرص بنسعيد على التأكيد على عدم وجود سوء نية في تدبير عدد من الملفات، مع إقراره في المقابل بوجود تقصير، لكن السياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس بالنوايا وحدها.
فالمواطن الذي يجد نفسه عاجزا عن شراء اللحوم، أو يواجه ارتفاعا مستمرا في أسعار المواد الأساسية، أو يراقب البرامج العمومية وهي تفشل في الوصول إلى الفئات المستحقة، لا يهمه كثيرا ما إذا كان الخطأ ناتجا عن سوء نية أو سوء تدبير.
ما يهمه هو النتيجة، والنتيجة، كما يعترف أحد قياديي الحزب المشارك في الحكومة، هي وجود ملفات لم تحقق أهدافها، وسياسات لم يصل أثرها بالشكل المطلوب إلى المواطنين، وإجراءات تحولت في بعض الحالات من حلول منتظرة إلى مصدر جديد للجدل والغضب.
ومن أبرز الملفات التي توقف عندها بنسعيد قضية دعم المواشي، مؤكدا أن القرار اتخذ في الأصل بهدف حماية القدرة الشرائية، غير أن طريقة تدبير العملية أفرزت، بحسب تعبيره، “فشلا وتجاوزات”.
وهنا تحديدا يصبح السؤال أكثر حساسية: إذا كانت الحكومة نفسها تعترف بأن طريقة التدبير أفرزت الفشل، فمن يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن هذا الفشل؟
لأن التراجع عن سياسة بعد ظهور اختلالاتها لا يمكن أن يكون وحده نهاية القصة. فكل قرار عمومي خاطئ أو سيئ التدبير له كلفة، وهذه الكلفة غالبا لا يؤديها المسؤول السياسي، بل يؤديها المواطن من جيبه وقدرته الشرائية.
والاعتراف بالفشل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد محطة خطابية في موسم انتخابي، بل يجب أن يقود إلى تقييم حقيقي، يكشف الاختلالات، ويحدد المسؤوليات، ويضمن عدم تكرار الأخطاء نفسها بأسماء وبرامج مختلفة.
وفي حديثه عن القدرة الشرائية، أقر بنسعيد بأن السياسات العمومية لا تصل بالشكل الكافي إلى الفلاح الصغير، الذي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ارتفاع أسعار الخضراوات واللحوم وتزايد تكاليف المعيشة، وهو اعتراف آخر يطرح مفارقة كبيرة.
فإذا كانت الحكومة تدرك أن جزءا مهما من السياسات العمومية لا يصل إلى الفئات التي يفترض أن تستفيد منها، فما الذي كانت تنتظره طيلة هذه السنوات لتصحيح المسار؟
الفلاح الصغير لا يحتاج إلى تشخيص متأخر لوضعيته، بل إلى طرق ومسالك لفك العزلة، وماء، ودعم حقيقي للإنتاج، وأسواق منظمة، وحماية من المضاربة، وسياسات تجعل من الفلاحة وسيلة للعيش الكريم لا مغامرة محفوفة بالخسائر.
لا شك أن الاعتراف بوجود أخطاء أفضل من الاستمرار في إنكار الواقع وترديد الخطاب الرسمي المتفائل في مواجهة مواطن يعيش ضغط الأسعار يوميا.
لكن الاعتراف وحده لا يصنع الثقة، فالثقة لا تعود بالقول إن «العام لم يكن زينا»، وإنما بتقديم حصيلة دقيقة لما تحقق وما فشل، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة المتسببين في الاختلالات، وتقديم حلول ملموسة قبل مطالبة المواطن بمنح الثقة من جديد.
واليوم، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يجد حزب الأصالة والمعاصرة، مثل باقي مكونات الأغلبية، نفسه أمام امتحان صعب: هل سيكتفي بالاعتراف بأن هناك تقصيرا، أم سيملك الجرأة الكاملة للاعتراف بمن قصر ولماذا قصر وكيف ستتم محاسبته؟
لأن المواطن المغربي لم يعد ينتظر فقط خطابات الاعتراف، المواطن يريد أن يرى الفرق بين حكومة تعترف بالفشل وحكومة تتصرف فعلا لمنع تكراره، وذلك هو الامتحان الحقيقي لأي حزب شارك في السلطة لخمس سنوات، قبل أن يعود إلى المواطنين طالبا منهم فرصة جديدة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد